حوار الفن والسياسة

  • عبد الفتاح نيازي
  • الأربعاء, 06 أبريل 2016 13:45
  • نشر في ثقافة وفنون
  • قراءة 499 مرات
حوار الفن والسياسة مع مدير بيت الغناء العربي الفنان ةمحسن فاروق حوار الفن والسياسة مع مدير بيت الغناء العربي الفنان ةمحسن فاروق مجلة أصداء عربية

أجرى الحوار : عبد الفتاح نيازي

هو أنجبُ مَن أنجبَت مصر ـ فنيا ـ وأخلصهم وأشدهم احتراما لفنه وأكثرهم غيرة وحرصا عليه .. هو أستاذ أساتذة الطرب الأصيل وعميد كلية الفن الجميل ومدير بيت الغناء العربي ، مرهف الحس رقيق المشاعر الفنان محسن فاروق ..

عرفته منذ سنوات عندما حضرت إحدى حفلاته في مقر بيت الغناء العربي بقصر الأمير بشتاك في قاهرة المعز لدين الله ، فانبهرت بفنه وأدائه السهل الممتنع ، وكأني أجلس أمام العملاق محمد عبد الوهاب ، وصرت له ولفنه متابعا شغوفا ، وتعجبت كيف يخفى هذا الرجل وفنه على وسائل الإعلام التي تسد آذاننا بالطين وتملؤها بالطنين رغم ما يقدمه من روائع على مسارح مصر الكبرى وخاصة في دار الأوبرا ، بل وعلى مسارح العالم العربي ..

عقب آخر حفل له على مسرح بيت الغناء العربي ـ الخميس الماضي ـ استضافني في مكتبه وصديقي السياسي الأديب (.....) ليبوح بما يعتمل في صدره وفكره من آمال وتطلعات وما يعرقل تحقيق ذلك من عثرات وإحباطات ..

ونظرا لتأخر الوقت اتفقنا على لقاء آخر يوم السبت ، وفي الموعد المضروب كان صديقي السياسي الأديب ينتظرني أمام باب الفتوح أحد أبواب القاهرة المعزية ، وتوجهنا مباشرة للقاء الفنان بمكتبه ، ودار الحوار صريحا ولم يكتمل ، وكان الوعد بلقاء ثالث بدار الأوبرا أمس الثلاثاء حيث اجتمع تلاثتنا ، وكان الحوار :

ـ بداية أرجو أن تعطينا نبذة مختصرة عن نشأة وتطور فن الغناء العربي بعامة والمصري بخاصة ..

قال صديقي الفنان :

ـ هذا موضوع في منتهى الأهمية يوضح الصورة الحقيقية لمصر ؛ ففن الموسيقى والغناء عرفته مصر منذ فجر التاريخ ، وكان هذا الفن موجودا في البيوت والقصور كما كان في المعابد لأنه كان يستخدم في الطقوس المعبدية والجنائزية وفي الأعياد ـ عيد الحصاد وعيد وفاء النيل وعيد النصر ـ وكانت الموسيقى تستخدم لاستقبال الجيوش وأثناء الفتوحات ولها دور مؤثر عرفته مصر منذ أكثر من سبعة آلاف عام ؛ فمصر رائدة في هذا الشكل من الأشكال الحضارية لاستخدام الموسيقى ، ولم تكن مصر مثل باقي الأمم حتى تلك التي لها حضارات معروفة ؛ فتلك الأمم كانت تستخدم الطبول وآلات النفير ، إنما مصر كان لديها أوركسترا فيها الوتري وفيها الإيقاعي وفيها آلات النفخ من آلات المزمار وفيها آلات الناي ، هذا التنوع في الآلات يغير من شكل المسموع أو الخارج منه ، ومهما قيل عن حضارات الأمم الأخرى فإن أيا منها لم يترك ما تركه المصريون مما لازلنا حتى الآن نبحث فيها ونحاول أن نفك شفراتها ورموزها ..

وأكمل :

ـ وفي عصرنا الحديث كانت الموسيقى والغناء قاصرة على قصور النبلاء والأمراء حتى بداية إنشاء أول دار أوبرا في مصر سنة 1856م ، استعدادا لافتتاح قناة السويس التي افتتحت عام 1868م وقدم في افتتاحها ( لعبة الأسطى فيردي / أوبريت عايدة ) على تياترو الأوبرا الخديوية ، الذي أصبح فيما بعد دار الأوبرا المصرية أول دار أوبرا في الشرق الأوسط والتي أخذت صفة العالمية لتنوع العروض التي قدمت عليها وإقبال الأجانب والدول الأوروبية وتسابقهم على أن يكون لهم موضع قدم في الثقافة الحديثة الوليدة في الشرق الأوسط ، وكانت شوارع وسط البلد بالقاهرة وكافيتريات الفنادق الكبرى تزدحم بالعازفين الأجانب من مختلف الجنسيات ، فكانت الموسيقى الكلاسيكية هي ما يقدم في مصر في ذلك الوقت ..

واستدرك قائلا :

ولكن كان لابد أن يكون للحضارة المصرية في هذا الزخم الفني العالمي دور ؛ وهو ما تفرد به رجل كفيف البصر من صعيد مصر ، هو الشيخ علي محمود طه وهو العَلَّامة بل والأكاديمية الأولى التي خرج من عباءتها عشرات الأساتذة أصحاب المدارس الفنية المتنوعة ؛ مثل الشيخ محمد رفعت ، مصطفى إسماعيل ، سيد النقشبندي ، كامل يوسف البهتيمي ، محمد الفيومي ، أبو العينين شعيشع .....

قلت : وطه الفشني ....

قال بسرعة :

وطه الفشني .. نعم ، هذا تلميذه النجيب الذي كان حافظا ـ عن ظهر قلب ـ أعمال فضيلة الشيخ ، وخرج بعد هؤلاء آخرهم وأصغرهم الشيخ زكريا أحمد الابن العاق للشيخ علي محمود والذي أتعبه في حياته جدا ، وعندما ارتفعت أسهم المشايخ ارتفعت أسهم الفنانين ؛ فكان محمد عبد الوهاب وكانت أم كلثوم وكان رياض السنباطي وكان محمد فوزي وغيرهم الذين جاءوا من الأرياف وكانوا جميعا ( تربية كتاتيب ) وتربية مشايخ ..

صمت صديقي الفنان هنيهة ثم أضاف :

ما ذكرته آنفا هو منطقة هامة جدا أعددت عنها بحثا موجودا بجامعة السوربون يُدّرَّس هناك أسميته ( الطرب عند المشايخ ) أتحدث فيه عن سلسلة تلك الشجرة المباركة من المشايخ الأعلام وعَمَّا تركوه من أثر ، والأخطر والأغرب أن ما وصل إلينا من حضارة هؤلاء الأعلام الراقية لا يتعدى تسعا وسبعين عملا والباقي كله اندثر ، وجمع هذه الأعمال الهامة تم بمجهود فردي قمتُ به على مدار سنوات طويلة للبحث عن دُرَر وكنوز الموسيقى العربية لأنني عملت مقررا ورئيسا للجنة التراث الموسيقي بالعلاقات الخارجية حيث أنتجت في عامين 15 اسطوانة ( CD ) كانت أول مجموعة من خمس اسطوانات لمحمد عبد الوهاب ورياض السنباطي ( المؤلفات الآلية ) ، وفي السنة الثانية أنتجت 10 اسطوانات عن كنوز الموسيقى العربية بالإضافة لكتاب من 250 صفحة ، وفجأة توقفت المسيرة بحجة عدم وجود ميزانية ..

استوقفته قائلا :

ـ وهذا ما أريدك أن تشرحه تفصيلا ليعلم كل متابع ومهتم بأمر الفن والثقافة في بلدنا العوائق والعقبات التي تعترض طريق انطلاق فننا للعالمية التي يستحقها ..

تكلم صديقي السياسي الأديب للمرة الأولى قائلا :

ـ المشكلة دائما هي عدم وجود ميزانية ..

رد صديقي الفنان :

ـ لا .. بل لديهم ميزانية لكن ليس لديهم أحد يفكر .. يا سيدي الميزانية المطلوبة لمثل هذا العمل لا تزيد عما يتكلفه خمسة أفراد يرسلونهم للخارج من إحدى الفرق الشعبية لتمثيل مصر في أي احتفالية .. إن هذا العمل الذي أقوم به ليس عملا شخصيا ، بل هو عمل يخص الأمة ، هو تأريخ للفن المصري لم يقم به أحد قبلي سوى الدكتورة سمحة الخولي رئيسة اللجنة ، فلما انتقلت إلى رحمة الله استدعاني رئيس قطاع العلاقات الخارجية وقتها الدكتور أنور إبراهيم الذي كان فنانا ورجلا عمليا وطلب مني تجميع المؤلفات الموسيقية الآلية المصرية ، وخلال شهر واحد كنت قد أنجزت المطلوب ، واتضح مما تم أن محمد عبد الوهاب هو صاحب أكبر عدد من المؤلفات الآلية الموسيقية ، 75 عملا وهذا عدد كبير جدا في التأليف الموسيقي ..

تنهد الفنان بمرارة ثم قال :

أرى أن هناك تداعيات خطيرة في الثقافة المصرية ..

قلت :

نريد أن نضع أيدينا على موضع الداء ..

أجاب :

من يقودون المؤسسات الثقافية في مصر ليسوا على مستوى الثقافة .. لقد أتممت 37 عاما من العمل المجهد وباقي لي خمس سنوات ومستعد أن أستغني عنها فلا فرق عندي إذا بقي الحال على ماهو عليه .. إن لدينا إشكالية كبيرة جدا ؛ إذا لم تعِ الدولة أهمية الثقافة وعلى رأسها الموسيقى والغناء فسيكون لدينا أزمة كبيرة جدا بالنسبة للأجيال القادمة ، فيجب وضع ميثاق لاحترام الفنان ، فأنا مثلا أقوم على خدمة الدولة وتراث الدولة وثقافة الدولة بينما الدولة لا تؤمن بهذا الفكر ، وما نستحضره من الماضي وحتى الآن وكأنه في خبر كان ، فمن المهم جدا أن نعي أن الثقافة والموسيقى والغناء بمصر على وجه التحديد في خطر بل وخطر شديد ، إذا لم نحاول بشكل أو آخر أن نضع استراتيجية وخطة مستقبلية لإنقاذ ما تبقى من تراث وثقافة المصريين فلن يكون لهم في الحاضر أي مكان .. في بداية هذا الأسبوع اتصلوا بي من سلطنة عمان للاتفاق معي على عمل في أوبرا السلطنة بعد سنة من الآن .. هل تعلم كم سيتكلف هذا العمل ؟ سيتكلف ما يوازي 2 مليون جنيه مصري لتقديم حفل واحد .. لو أن معي هذا المبلغ هنا يمكنني أن أفعل به الكثير جدا لخدمة الفن في بلدي .. ساقوم بالغناء مع أوركسترا عالمي يقوده واحد من أكبر القادة الموسيقيين في العالم العربي المايسترو أمير عبد المجيد ..

وتساءل الفنان :

لماذا يستقدموننا نحن رغم إمكانياتهم الهائلة ؟

واستطرد مجيبا :

هذا يعني أنهم مازال في ذاكرتهم أنه لايمكن أن يتحقق هذا العمل الكبير إلا بالمصريين ..

فجأة وجه صديقي السياسي الأديب حديثه لصديقي الفنان متسائلا :

لو أتيح لك عرض شكاواك وطرح همومك ومطالبك هذه على السيد رئيس الجمهورية بصفته الملاذ الوحيد الذي يوثق بحكمته ووعيه بقضايا الأمة وهموم أبنائها وبقدرته على اتخاذ القرار وتصحيح المسار ، فماذا ستطرح عليه في نقاط محددة وواضحة ؟

قال صديقي الفنان :

أولا : إن مايعرض على السيد الرئيس وضيوفه من أعمال فنية ليست بالمستوى اللائق بحجم دولة كمصر ..

ثانيا : مطلوب من السيد الرئيس شخصيا دفعة ودعم للغناء والموسيقى المصرية التي تمثل اللكنة الثقافية الموسيقية المصرية والتي أثرت في الثقافات العربية لمئات الأعوام ..

ثالثا : بيت الغناء العربي يحارب ويحاولون إجهاضه بأيد كثيرة من داخل وزارة الثقافة ، وهو بيت العرب الذي يحتضن كافة الثقافات الفنية العربية ، ومطلوب حمايته والحفاظ عليه ليستمر ..

رابعا : هناك مطلب قومي شديد الخطورة والأهمية هو ضرورة إصدار قرار سيادي بإعادة تشكيل وتكوين أوركسترا الإذاعة المصرية ، فلو تم هذا سيكون بداية التصحيح الحقيقي لإعادة الهوية الوطنية للثقافة الموسيقية المصرية ، بشرط منحي الصلاحيات المطلقة للتنفيذ بعيدا عن التعقيدات المكتبية والإدارية ..

خامسا : أموال الدولة تنفق بل تهدر فيما لا يخص ولا يعني الدولة وثقافتها الوطنية ؛ فقد حصلت على الموافقة بإقامة أول مهرجان دولي للموشح والتوشيح العربي بمشاركة 25 دولة سيسهم في تنشيط الحياة الثقافية والسياحة في مصر وهناك لجان فنية وثقافية متخصصة في المجلس الأعلى كتبت ( نوافق لأن هذا المشروع هام جدا لمصر ) ، ورغم ذلك وصلني اليوم خطاب من مدير مكتب وزير الثقافة وهو لواء شرطة يستفسر عن هذا العمل .. والمفترض أنه جهة تنفيذية ؛ فعن أي شيئ يستفسر ولصالح من يعطل عملا بحجم هذا العمل ؟

قلت لصديقيَّ الفنان والسياسي الأديب المهمومَيْنِ مثلي بمستقبل الثقافة المصرية والفن المصري :

يكفي هذا اليوم ، وسوف أضطلع بدوري في نشر هذا الحوار لعله أن يصل إلى السيد الرئيس فيطلع عليه ، وهو الوحيد في هذا البلد الذي بيده إصدار القرار بفتح السدود أمام نهر الثقافة المصرية وتطهير قنواتها ليعم خيرها على البلاد والعباد ..

صافحت صديقي الفنان مودعا على أمل لقاء قريب ثم ودعت صديقي السياسي الأديب وعدت محملا بأمانة نشر هذا الحوار ، وأحمد الله الذي أحياني ووفقني لذلك وأرجو أن يتم نعمته علينا بوصول هذا الحوار ومطالب صديقي الفنان ـ بل مطالب كل وطني محب لبلده وثقافته ـ إلى السيد الرئيس ، وبالله التوفيق ..

عبد الفتاح نيازي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الأربعاء, 06 أبريل 2016 14:41
  • حجم الخط