الإنشاد الديني .. نشأته وتطوره

  • عبد الفتاح نيازي
  • الجمعة, 06 مارس 2015 14:22
  • نشر في ثقافة وفنون
  • قراءة 1980 مرات

الإنشاد الديني فن غنائي يخاطب الوجدان ويحيي الأرواح فتتمايل الأشباح طربا وهياما .. وهو فن يستقي موضوعاته من العشق الإلهي وتوحيد الله عز وجل ومدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

وقد انتشر هذا الفن على أيدي أصحاب الحناجر الموسيقية الجميلة الذين أبدعوا وتفننوا في تقديم قصائد المديح مستخدمين حناجرهم الذهبية فلم يعوزهم استخدام المعازف فقد أغنى جمال الكلمة وروعة الأداء الصوتي عن كل ذلك ..

يؤكد الباحثون أن هذا الفن الجميل بدأ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسند رفع الأذان لسيدنا بلال بن رباح لكونه أندى الصحابة صوتا ، حيث كان يجوِّد في الأذان كل يوم خمس مرات بصوت يأسر القلوب ويرقق المساعر ..

وكانت قصائد شاعر الرسول سيدنا حسان بن ثابت هي المادة التي اعتمد عليها المنشدون في فنهم ، ومن بعده تغنى المنشدون بقصائد الشعراء التي كانت تدعو غلى التوحيد والتمسك بالقيم الإسلامية النبيلة والحث على أداء الفرائض والصلاة على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ..

وذاع هذا الفن واستمر وتطور على أيدي المؤذنين في مصر والعراق والشام حيث كانوا يسبقون أذان الفجر ببعض الابتهالات والمائح النبوية ، ويعقبون الأذان في الأوقات الخمس بالصلاة على رسول الله عليه الصلاة والسلام ..

وعندما تولى الأمويون أمر الأمة صار الإنشاد الديني فنا يعتمد على أصول وضوابط يلتزمها المنشدون جميعا مع تميز كل منهم بطريقة أداء تختلف عن غيره من المنشدين ؛ فظهر في هذا العهد إبراهيم بن المهدي وأخته عَليَّة ، والمعتز وابنه عبد الله ، وأبو عيسى بن المتوكل ، وغيرهم ، وكان عبد الملك بن مروان يحتفي بالموسيقيين وأهل الفن ..

وسار على نفس النهج الخليفة الواثق الذي اشتهر في عهده إبراهيم الموصلي وإسحق الموصلي ، بينما ذاع وانتشر صيت "زرياب" ـ تلميذ إسحق الموصلي ـ في عصر عبد الرحمن بن الحكم وأخرجت حلب الشهباء أشهر المنشدين في ذلك العهد ..

وعندما تولى الفاطميون اهتموا كثيرا بالاحتفالات المرتبطة بمناسبات دينية فاستحدثوا الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ورأس السنة الهجرية وليالي غرة رجب والنصف من شعبان وموالد آل البيت الحسن والحسين وعقيلة بني هاشم السيدة زينب وغير ذلك من المناسبات ؛ حيث كانت الاحتقالات تشمل مجالس الذكر والإنشاد الديني وإطعام الطعام ..

وفي العصور الحديثة ومع بداية القرن العشرين زادت أهمية الإنشاد الديني حين دخل إلى هذا المضمار كبار المشايخ والمنشدين ، فكانت تقام الاحتفالات التي يدعى غليها هؤلاء المتميزين ، وظهرت أشكال جديدة لهذا الفن تعتمد على الدعوة للم شمل المسلمين وتوحيد الله ومدح الرسول الكرم صلى الله عليه وسلم والدعاء بالنصر للأمة على أعدائها .. ومن هؤلاء الأساطين الشيخ علي محمود والشيخ طه الفشني والشيخ محمد عمران ثم الشيخ نصر الدين طوبار والشيخ سيد النقشبندي في مصر ، أما في الشام فيعتبر المنشد الراحل توفيق المنجد أهم من ظهر في هذا المجال وهو من منشدي دمشق ، مع وجود أسماء كبيرة مثل المنشد فؤاد الخنطوماني والمنشد صبري مدلل في حلب وكذلك المنشد منذر السرميني أبو الجود والمنشد محمد أبو راتب وغيرهم. ومن الأسماء الأخرى ، وبرز في السبعينات اسم المنشد حمزة شكور الذي انضمت فرقته إلى رابطة المنشدين بدمشق التي أسسها توفيق المنجد والمنشد موفق أحمد أبو شعر الحسيني الذي يعود نسبه للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وجاء من بعده أبناؤه الستة الذين يعرفون بفرقة الإخوة أبو شعر رابطة أبي أيوب الأنصاري ، ومن العراق الشيخ المرحوم حمزه الزغير والمرحوم ياسين الرميثي والمرحوم عبد الرضا الرادود وجاسم الطويرجاوي ومهدي الأموي وعزيز الكلكاوي وباسم الكربلائي وجليل الكربلائي وأبو بشير النجفي وغيرهم المئات من العراقيين والعرب بل وحتى في العالم الإسلامي...

ومع انتشار الفنون الهابطة في السنوات الأخيرة وتزايد المد المتشدد من جانب بعض الجماعات ودعاة الانغلاق كان لابد من التصدي لهذا الاتجاه ؛ فبدأ الاهتمام بالإنشاد الديني ، ودخل المجال شباب حديثو السن استطاعوا بجمال أصواتهم وإخلاصهم جذب الشباب بعامة وكثر المهتمون بهذا الفنا ، بل أنشئت له مدارس وأقيمت له المهرجانات مثل "مهرجان الإنشاد الديني الأول بمصر" ..

وبسبب انتشار هذا الفن وإقبال الناس عليه كثرت فرق الإنشاد وتعددت واحتل نشاطها مساحة كبيرة في الإعلام المرئي والمسموع ، وصار المنشدون يحلون ضيوفا كراما في الاحتفالات العامة والخاصة ، والمحافل الثقافية والفنية ، وأضافت دار الأوبرا المصرية فرقة للإنشاد الديني تلقى احتفالاتها إقبالا كبيرا من الجمهور ، ومع ازدياد أعداد المنشدين كان لابد من إنشاء نقابة تنظم عملهم وتحافظ على هذا الفن الرائع من تسرب المدعين إليه وتحفظ للمنشدين حقوقهم المادية والأدبية ، ويرأس هذه النقابة الشيخ محمود ياسين التهامي ..

كما أسست مدرسة لفن الإنشاد الديني أقبل عليها الكثير من الشباب ، واحتفلت المدرسة بقيادة الشيخ إيهاب يونس والمنشد علي الهلباوي بتخريج الدفعة الأولى من طلابها (15 طالبا) في أوائل سبتمبر من العام 2014 ، وذلك بحضور قيادات من وزارة الثقافة اعترافا منها بنقابة الإنشاد الديني ..

ويبقى العشق الإلهي وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته الكرام المادة الثرية والمعين الذي لاينضب لكل المداحين والمنشدين ، ويبقى الحب يجمع بين قلوب المؤمنين الموحدين إلى يوم الوقت المعلوم ..

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)