رحلة الهجرة وعبقرية الحبيب (1)

  • عبد الفتاح نيازي
  • الخميس, 23 أكتوبر 2014 20:43
  • نشر في مقال مدير التحرير
  • قراءة 639 مرات

يشرف بتدوينها :

عبد الفتاح نيازي

كانت الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة بأمر من الله لرسوله الكريم بداية لنظام عالمي جديد يسود فيه العرب المسلمون وتصبح كلمة الله هي العليا فيعز دين الله تعالى ، وتفتح الدنيا ذراعيها مرغمة للإسلام والمسلمين  ..

وما كان ذلك الفتح نتيجة تفوق عددي للمسلمين على أعدائهم ، وما كان نتيجة عتاد أو عُدة اعتدُّوها ، ولكن كان بقوة العقيدة التي حولت العرب من مجتمع بربري تتقاتل قبائله لأتفه الأسباب إلى بنيان قوي يشد بعضه بعضا ، ولايرفع سيفه في وجه أخيه ولا يظلم ولا يعتدي ..

لقد خرج النبي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة بعد أن جار عليه أهلها وحاربوه ومن آمن معه قاصدا يثرب التى أضاءت بنوره عليه الصلاة والسلام فصارت "المدينة المنوَّرة" ..

وصل الحبيب إلى المدينة فاستقبله اهلها الأنصار ضاربين أعلى المثل في حسن الاستقبال للرسول والمهاجرين ..

كان يعمر المدينة الأوس والخزرج وكانت الحروب بينهما سجال لايكاد ينتهي حتى يتجدد ، فأصبحوا بعد إيمانهم وكأنهم ملائكة يمشون على الأرض مطمئنين ..

وآخى الرسول الكريم بينهم وبين المهاجرين فكانوا مثالا للجود والعطاء والإيثار ، وكان المهاجرون مثالا للتعفف عما في أيدي الآخرين ، وأنشأ المصطفى صلى الله عليه وسلم بهؤلاء وهؤلاء مجتمع المدينة المنورة الذي يتمنى كل مسلم أن يحيا بين أهله الكرام ..

ونحن اليوم أحوج ما نكون لما في رحلة الهجرة المشرفة من العبر والعظات ؛ فقد كانت الرحلة أعظم مثال لحسن التخطيط والتدبير بعد التوكل على الحي الذي لايموت ..

لقد أعد الحبيب ـ فداه أبي وأمي ـ لرحلته أفضل إعداد ؛ فعِلْمُهُ أن كفار قريش لن يسمحوا له بالخروج ، وأنهم يتآمرون لقتله ، دفعه للتكتم الشديد وإحاطة رحلته بالسرية الكاملة ، ورسم خطة تعتمد على خداع الأعداء وتضليلهم لا مجال فيها لأي نسبة من الخطأ ..

ورغم ثقة رسول الله بتأييد ربه له وتأكده من نجاح رحلته فلم يكن "العبد الكامل" ليتواكل أو يهمل أي صغيرة أو كبيرة يمكن أن تعكر صفو هذه الرحلة :

ولأن الحكمة تقتضي اختيار الرفيق قبل الطريق ؛ فقد اختار صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أول من آمن من الرجال وصَدَّقَ بالرسالة المحمدية ليكون أسعد خلق الله بصحبة حبيب الله في هذه الرحلة المباركة ..

ولأنه الصادق الأمين فلم يشأ أن يفر بما كان لديه من أمانات أهل مكة الذين ـ رغم عداوتهم له ـ لم يجدوا من هو أكثر منه أمانة ليودعوا لديه أماناتهم ، فأراد أن يرد إليهم أموالهم ، ولكنه لو فعل هذا لعلموا بنيته في الخروج ، لذا كان لابد من خطة يعيد بها أموالهم إليهم دون أن يدركوا .. ولكن كيف ؟

تجلت العبقرية المحمدية في اختيار من يقوم بالمهمة الرهيبة فينام في فراش الرسول كي يتوهم المشركون المحاصرون لمنزله أنه لايزال نائما ..

ولم يكن هناك من يمكنه قبول هذه المهمة سوى ربيب بيت النبوة وباب مدينة العلم ابن عمه علي بن أبي طالب ..

واستكمالا للخطة كان لابد من تأمين خط لإمداد المهاجرين الكريمين بالماء والغذاء خلال فترة الإقامة بالغار ولا يمكن الوثوق سوى ببنت الرفيق الصديق أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين التي شقت نطاقها نصفين فتمنطقت بنصفه وخبَّأت الطعام والماء في النصف الآخر ، وهنا يبرز دور المرأة المجاهدة التي حملت روحها على كفها لتسجل اسمها بأحرف من نور رباني في تاريخ أشرف رحلة تمت على وجه الأرض ..

ثم يأتي دور المعلومات ؛ فكيف يخرج الرسول صلى الله عليه وسلم ورفيقه وهما لا يعلمان ماذا تدبر لهما قريش وشياطينها ؟

وهنا جاء دور المخبر السري أو رجل المخابرات عبد الله بن أبي بكر وكانت قريش قد جعلت مائة ناقة لمن يأتي بمحمد وصاحبه ؛ فكان عبد الله بن أبي بكر يستمع إلى أخبار المشركين ويعلم ما يتآمرون به ثم يأتي إلى رسول الله وصاحبه في الغار مساءً لينقل إليهما الأخبار .

ولما كان من الممكن أن يستدل المشركون على مكان المهاجر الأعظم ورفيقه عن طريق تتبع آثار أقدام أسماء وعبد الله فإنه صلى الله عليه وسلم كلف من يقوم بمهمة التغطية والتعمية على المشركين وهو عامر بن فهيرة راعي الغنم الذي اشتراه أبو بكر وأعتقه ؛ فكان يرعى غنمه في الطريق الذي يسير فيه عبد الله وأسماء لتمحو حوافر الأغنام آثار أقدامهما ..

ثم يأتي أخطر قرار اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قرر استئجار عبد الله بن أريقط الكناني ليكون دليلا له ولصاحبه يدلهما على طريق لا يسلكه المشركون المتتبعون لهما ، وابن أريقط هذا كان مشركا ولكن اقتضت الحكمة استخدامه لأمانته وخبرته ؛ فقد أورد البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت :

"استأجر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل ثم من بني عبد بن عدي هاديًا خريتًا "الخريت الماهر بالهداية" قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث فارتحلا وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الديلي فأخذ بهم أسفل مكة وهو طريق الساحل" ..

وهذا يدل دلالة قاطعة على عبقريته وحكمته صلى الله عليه وسلم وجواز الاستعانة بغير المؤمنين إذا كانوا من ذوي الخبرة والأمانة يوفون بالعهد ، وفيه دعوة للأمة إلى أن تحذو حذوه في حسن التخطيط والتدبير وإتقان العمل واتخاذ أفضل الأسباب مع الاعتماد على الله مسبب الأسباب أولاً وآخرا ..

ويسير ركب المهاجرَيْنِ الكريمين في أمان الله وقد خيب الله أمل المشركين في الظفر برسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه ..

ولنا بإذن الله عودة لنستكمل معا الرحلة المقدسة لأشرف من وطأت أقدامه أديم الأرض ..

فإلى لقاء في الأسبوع المقبل إن شاء ربنا وقدَّرَ وكان في العمر بقية !!

عبد الفتاح نيازي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الجمعة, 26 ديسمبر 2014 21:47
  • حجم الخط