نجيب محفوظ وموهبة الكتابة

  • د. مصطفى عابدين
  • الأربعاء, 10 يناير 2018 00:04
  • نشر في مقال رئيس التحرير
  • قراءة 16 مرات

فى البداية هذه دعوة عزيزى القارئ لنقرأ معا هذه الفقرة للكاتب المبدع الأستاذ نبيل عبد الفتاح.. " قليلة بل ونادرة هى الأسماء العربية المبدعة التى تم الإحتفاء بها على المستوى الكونى .. أو فى الإطار النقدى الغربى على مستوى الإبداعات السردية .. على الرغم من أن بعضهم تم ترجمة بعض أعمالهم إلى اللغات الكبرى.. الإنجليزية والإسبانية والفرنسية والألمانية .. ويبدو أن الإستثناء الأهم هو نجيب محفوظ لأنه استطاع أن يؤسس لشرعية فن الرواية فى الأدب العربى " .. لم أجد أحسن ولا أفضل من هذه المقدمة لأستهل بها مقالنا هذا .. وهى – كما أسلفت – مأخوذة من مقال للكاتب " نبيل عبد الفتاح " فى جريدة الأهرام والذى يحمل عنوان " عوالم الكتابة سابقة التجهيز " والتى يتناول فيها بحرفية نادرة ومقدرة بالغة تلك الموهبة الإستثنائية لكاتبنا العظيم نجيب محفوظ والتى تتجلى فى إطار السرد العربى .. والعالمية فى إطار الجغرافيا الثقافية للإبداع الروائى وهو ما أتاح له الحصول على جائزة نوبل.

والحقيقة التى لا يختلف حولها إثنان أن الأديب الكبير نجيب محفوظ ليس مجرد كاتب حائز على جائزة نوبل – بالرغم من دلالتها وأهميتها – فهو روائى فريد وصاحب موهبة فذة ومبدع عظيم .. وهو علامة فارقة فى تاريخ الإنسان .. فكرا وعلما ومعرفة .. وهو صاحب موهبة طبيعية متفردة شأنه فى ذلك شأن ديستوفسكى فى روسيا .. وتوماس هاردى فى إنجلترا .. وجيمس جويس فى أيرلندا .. وجوستاف فلوبير فى فرنسا .. وهى موهبة طبيعية لا ترتبط بثورة أو إنتفاضة أو حدث تاريخى .. فالطبيعة لها قانونها الخاص .. وإذا كانت الموهبة كالطبيعة فقد أسفرت الدراسات النفسية الحديثة أنها تحل على الإنسان بقانون خاص لا يمكن السيطرة عليه.

والموهبة وحدها لا تكفى لكى تصنع أديبا مبدعا وإنما يجب على الموهوب أن يستثمر موهبته ويعمل على بناء نفسه .. ونجيب محفوظ من أعظم من عمل على بناء نفسه حيث لم يكتف بما حباه الله من موهبة وما حاز منها وإنما عمل على توسيع مداركه .. فكان أديبنا الكبير برغم أنه كان موسوعة ثقافية وليس مجرد قارئ يعمل على تجميع المعلومات وحفظها فى ذهنه فكانت رواياته ليست مجرد أحداث وحكايات فقط وإنما هى إبحار فى الجوانب الخفية للإنسان فى عجينة فريدة من فلسفة وتاريخ وعلم إجتماع.

ولقد لمست ذلك بنفسى عندما كانت مؤسسة السينما قد خصصت لأديبنا الكبير نجيب محفوظ مكتبا فى شقة بمقرها الكائن مقابل مجلة " روزاليوسف " .. وكنت أذهب إليه مع صديقنا المشترك محمد صبرى السيد سكرتير " نادى القصة " وهو فى نفس الوقت سكرتير القسم الأدبى بجريدة الأهرام.. وكنا – أنا والحاج صبرى كما يسميه كل من يتعامل معه – نقوم بإطلاعه على مجريات الأمور فى النادى حيث كان مهتما بما يحدث هناك .. ثم إنتقل نجيب محفوظ بعد ذلك إلى مكتبه الجديد فى الدور السادس بالمبنى الحديث بجريدة الأهرام بشارع الجلاء حيث يقع القسم الأدبى بالجريدة .. وهناك كانت الفرصة أكبر للبقاء إلى جواره حيث كان يطلب منى أن أقرأ له بالتناوب مع الحاج صبرى الصحف والمراسلات بعد أن أجريت له عدة جراحات فى عينيه وكان نتيجة لذلك غير قادر على القراءة لوقت طويل .. وما لمسته طوال هذه الفترة أن ما كان يصل إليه من معلومات وخاصة المواد الثقافية من أى مصدر يقوم بجمعه ثم يحفظه فيما أطلق عليه " خزانة عقله " على حسب قوله .. ثم ينتقى منها ما يراه صالحا ليصنع منها حالة " وعى وإدراك " لما يحيط به فى بيئته الصغيرة وعالمه الكبير .. وكان كل ذلك يظهر جليا فى رواياته .. وكان دليلاً واضحا على أنه مبدع عظيم وصاحب موهبة فذة يعمل على تطويرها وعدم الإكتفاء بما ناله من شهرة أو مجد حتى أصبح علامة فارقة فى تاريخ الإنسانية فكرا وعلما وفنا وموهبة .. وبذلك إستطاع أن يؤسس لشرعية فن الرواية فى الأدب العربى وأن ينطلق من الفضاءات المحلية والمتمثلة فى الحارة وعوالمها وطقوسها إلى عالمية الثقافة والإبداع الروائى.

وكان محفوظ دائما يقول أن موهبة الكاتب لا تبلغ منتهاها طالما هو على قيد الحياة .. وأنه يجب على الكاتب أن ينمى موهبته التى حباه الله بها مستغلا " خزانة عقله " وما يمكن أن يضيفه إليها من قراءات ودراسات فضلا عما يقوله أو يكتبه النقاد أو القراء وما يصل إليه من آراء فيما يكتب وأن يعتبر ذلك مرآة عاكسة لأعماله ومن أهم ما يمكن أن يستفيد منه فى عملية تطوير الذات مهما كانت نوع الكتابة التى يمارسها .. وهى للحق نصيحة قيمة وفى منتهى الأهمية وتصلح لكل زمان وأنا أضعها أمام الأبناء من شباب الكتاب.

وإلى موضوع جديد ومقالنا القادم بحول الله.

بقلم: د. مصطفى عابدين شمس الدين
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
المزيد في هذه الفئة : « أطفالنــــــا وقوة الشخصية