أطفالنـــــا والكذب.. 2-2

  • د. مصطفى عابدين
  • الثلاثاء, 28 نوفمبر 2017 14:44
  • نشر في مقال رئيس التحرير
  • قراءة 218 مرات

كنا قد تناولنا في مقالنا السابق تحت نفس العنوان التعريف بالكذب وكيف أن علماء النفس والتربية قد أجمعوا على أن الكذب سلوك مكتسب.. وهم – أي العلماء – من النادر أن يجمعوا على الكثير من الأمور نظرا لتعدد النظريات وتباين الآراء وكثرتها.. وحيث إن الإنسان غير كاذب بالفطرة حيث إنه لا يولد كذابا ولكنه يكتسب هذا السلوك فإنه يتعلمه من أول المجتمعات التي يعيش فيها وهو الأسرة..

وتناولنا كذلك أنواع الكذب وتعريفها وأسبابها وأن أقوى هذه الأسباب وما يجعل الكذب يتأصل عند الأبناء هو عندما يخدع الآباء الأبناء بعدم إذاعة فعل ما.. ثم يقومون بإفشائه أمام الأصدقاء أو الأقارب من خارج محيط الأسرة وهم من يعتبرهم الأبناء من الغرباء الأمر الذي يشعرهم بالحرج والمهانة وهو ما يفقدهم الثقة بالوالدين ومن ثم يلجأون إلى الكذب.. ويزداد الأمر سوءًا عند الأطفال مرهفي الحس.. وبصفة عامة فإن عدم وفاء الوالدين بالوعود هو أكثر الأسباب التي تؤدي إلى الكذب عند الأطفال.

نأسف لطول المقدمة ولكن ذلك كان ضروريا للربط بين المقالين..

وننتقل إلى طرق العلاج وهي كثيرة جدًا ومتعددة لدرجة أنه من الصعب جدا حصرها في مقال أو عدة صفحات إلا أننا سنحاول جاهدين أن نذكر أهمها وأكثرها تأثيرا وخاصة ما يكون علماء النفس وأساتذة التربية قد اتفقوا عليه.. ومنها:

من أولى واجبات الأسرة وأهمها على الإطلاق أن يعيش الأطفال في جو هادئ يغلب عليه التسامح والمرونة والعلاقات الودية وفي نفس الوقت يكون بعيدا عن القسوة التي من شأنها أن تدفع الأطفال للكذب دفاعا عن النفس.

يجب على الوالدين العمل – قدر طاقتهم – على تلبية الحاجات الجسدية والنفسية للأطفال والعمل على إشباعها.

ينبغي مراعاة سن الطفل والتعامل مع "الطفل المشكلة" على هذا الأساس.

والأهم أن يتفهم الوالدان قدرات الطفل الذاتية وعدم مقارنته بإخوته الأكثر تميزًا في أي مجال.

وما سبق يعني أن لكل طفل ذكاءه وقدراته الذهنية.. وهذا يقودنا إلى المدرسة التي من المحتم أن تكمل دور الأسرة وأن يكون من يعمل فيها تربويا دارسا للتربية وعلم النفس أو على الأقل حاصلا على دورات تدريبية في هذه المجالات.. في هذه الحالة سيبتعد الأساتذة المتفهمون عن توبيخ الطفل لضعف درجاته مثلا بل والعمل على مساعدته بالمزيد من الاهتمام والشرح.. ساعتها لن يلجأ الطفل إلى الكذب.

ومن واجبات المدرسة أيضا مراعاة عدم الضغط على الأطفال حتى لا يصاب بعضهم بالإحباط وبالتالي كراهية المدرسة ويكون في هذا جو مناسب للكذب.

وغني عن القول أن المدرس التربوي والأب المثقف والأم المتعلمة يعرفون جميعا أن لكل إنسان مواطن قوة وكذلك نقاط ضعف تختلف عن الآخرين.. وبناء على ذلك يكون التشجيع بمواطن التفوق في شخصية كل طفل.. وسيكون الاختلاف ما بين الأدب والفنون والرسم والموسيقى والتي من الممكن أن تظهر فيها شخصية الطفل الذي سيدرك حتما أنه سيكون مقبولا لدى الآخرين وموضع إعجابهم وحبهم وليس الناحية الدراسية فقط على أهميتها.. وقد يكون التفوق والبراعة في أحد الجوانب السالفة دافعا للتحسن في الناحية الدراسية.

إشاعة الاطمئنان النفسي لدى الأطفال في الأسرة أو المدرسة عامل في منتهى الأهمية والخطوة الأولى في هذا الصدد هي الحرص على البعد عن العقوبة حين يصدق الطفل إذا كذب وكذلك العفو والتشجيع حين يعتاد الصدق.. وهذا لا يتعارض مع الحزم حين يقتضي الأمر.

ولا يجب أن نغفل ما يمكن أن تلعبه دور العبادة – المسجد أو الكنيسة – في هذا المجال وذلك بإظهار أن الصدق فضيلة من أجمل الفضائل.. وأن من يتحلى بهذه الفضيلة سيلقى احترام وتقدير الناس جميعا.. وما يمكن أن يقال في تحبيب الأطفال هذه الفضيلة لا نهاية له.. ويواكب ذلك أو يعقبه الدعوة إلى التنفير من الكذب والتعريف بمساوئه وأنه يدعو إلى الخروج عن جادة الصواب الذي قد يصل إلى الانحراف وفقدان احترام الناس جميعا.. ويجب مراعاة أن يتم ذلك بسلاسة ويسر وبطريقة محببة وبسيطة.

وأعود لأؤكد على ما سبق أن ذكرناه عن أهمية الوفاء بالوعد إذا ما قطع الكبار على أنفسهم عهداً للصغار حتى لا تحدث لهم نكسة نفسية وعلى الأخص إذا ما تكررت هذه المواقف.. وهذا يقودنا حتما إلى الأهمية القصوى بأن نكون مثالا يحتذى أمام صغارنا وهو ما تعودنا على إطلاق مسمى "القدوة الصالحة" على ذلك.

وفي النهاية أدعو القارئ الكريم إلى إعادة قراءة ما جاء في موضوعنا هذا.. والأهم من ذلك أن يطلع شريك حياته على هذا المحتوى ليعملا سويا على تنشئة أبناء صادقين أسوياء وذرية صالحة بإذن الله.

وأعود لألتقي بكم في موضوع جديد ومقالنا القادم بحول الله.

بقلم: د. مصطفى عابدين شمس الدين
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
المزيد في هذه الفئة : « أطفــــالنا والكذب.. 1-2