أطفــــالنا والكذب.. 1-2

  • د. مصطفى عابدين
  • الجمعة, 03 نوفمبر 2017 18:19
  • نشر في مقال رئيس التحرير
  • قراءة 115 مرات

بقلم: د. مصطفى عابدين شمس الدين

كثيرا ما تشكو بعض الأسر – إن لم يكن معظمهم – أن أطفالهم يكذبون.. وهو ما يتسبب لهم في العديد من المشاكل والمواقف الحرجة.. خاصة وأن الجميع يحلو لهم الإشادة بمدى نجاحهم في تربية الأبناء.. ومن أكثر ما يحاولون إظهاره هو صدقهم في التعامل مع الآخرين.. وأنهم أبعد ما يكونون عن الكذب أو حتى اختلاق الأكاذيب.

كان ما سبق مقدمة وجدتها ضرورية قبل مناقشة هذه القضية الغاية في الأهمية خاصة إذا ما وضعنا في الحسبان قاعدة غاية في الأهمية وهي نفس ما أجمع عليه علماء التربية وعلم النفس من أن الكذب سلوك "مكتسب".. وهو ما يعني أن الإنسان أو بالأحرى الطفل لا يُولد كذابا ولا يمكن أن يكون كذابا بالفطرة.. أي أنه سلوك يمكن تعلمه.. والكل يتعلم أول ما يتعلم من الأسرة.. وهذا يفسر لنا إصرار معظم الأسر – كما أسلفنا في البداية – على أن طفلهم غير كذاب.

وقد استطاع العلماء تحديد أنواع الكذب وتعريفه على النحو التالى:

الكذب الخيالي: ويكون دائما في السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل الذي لا يكون باستطاعته - في أغلب الأحيان - إدراك الفرق بين الحقيقة والخيال.. وهنا يكون الكذب وسيلة للتعبير عن أحلام اليقظة.. ولعل مما يساعد على ذلك ما يٌعرض على أطفالنا من أفلام كرتونية يتمتع أبطالها بقوى خارقة ويستطيعون القيام بما هو مستحيل وخارق للعادة.. ويجب أن نعلم أنه يجب على الآباء عدم معاقبة الطفل وتوضيح الأمر له.. وهذا النوع من الكذب – إذا جاز لنا أن نصنفه ضمن أنواع الكذب – سرعان ما يزول مع مرور الوقت ونضج الطفل والتوضيح المستمر للحقائق.. ولعل هذا ما جعل بعض العلماء يطلقون على هذا النوع "الكذب الالتباسي".. وهي تسمية كافية لتوضيح ما نود توضيحه.

الكذب الادعائي: ولعله أكثر أنواع الكذب خطورة.. ويكون لدى الأطفال الأكبر سنا من المرحلة السابقة والذين يشعرون بالمعاناة من النقص في أي ناحية من نواحي حياتهم فيلجأون إلى المبالغة أو "الكذب" في قدرات عائلتهم المادية بمعنى ادعاء امتلاك ثروات طائلة على سبيل المثال.. وعلى المستوى الطفولي إدعاء امتلاك لعب غالية الثمن.. ويمكن أيضا أن يندرج تحت هذا النوع التظاهر بالمرض لاستدرار عطف الكبار أو لاستغلال حبهم له وخوفهم عليه لعدم الذهاب إلى المدرسة.. وتأسيسا على ذلك رأى بعض العلماء إطلاق اسم "الكذب الغرضي" على هذا النوع.. وأنا أتفق معهم في ذلك.. والجدير بالذكر أن هذا النوع يكون بسبب إفراط الآباء في تدليل الأطفال في الصغر ثم التحول عن هذا المنحى بعد ذلك.

الكذب الدفاعي: ولعله الأكثر شيوعا في بلادنا وأكثرها خطورة كما سنوضح لاحقا.. ويكون عندما يلجأ أحد الوالدين أو كلاهما إلى العقاب شديد القسوة اعتقادا أن ذلك يكون سببا في ردع الأبناء ومنعهم من الكذب.. وهنا يكون الكذب خوفا من العقاب.. وهذا هو السبب في أن بعض العلماء أطلقوا على هذا النوع "الكذب الوقائى".. ولعلنا جميعا نتفق معهم في صحة هذه التسمية.. ولكن مكمن الخطورة هنا يكون عندما يلجأ الطفل إلى إلصاق التهمة ببريء من أجل الدفاع عن نفسه.. والأكثر خطورة هنا أن هذا النوع قد يتطور مع مرور الوقت ليكون وسيلة للانتقام من بعض الناس وتنفيذ الأغراض بالحق أو بالباطل وهو ما أطلق عليه علماء التربية "الكذب الانتقامي".

كذب التقليد: وعادة يقوم الطفل بتقليد والديه عندما يقومان بالكذب أمام الطفل اعتقادا منه أنه صغير ولا يفهم شيئًا.

الكذب العنادي: حيث من المعروف أن كثيرًا من الأطفال في مرحلة الصبا يميلون إلى العناد بغية إثبات الوجود.. ولو اعتاد الطفل على ذلك لتسبب في مشاكل كبيرة للأهل.. فضلا عن الطفل نفسه.. وسنتناول طرق الوقاية والعلاج مع الأنواع الأخرى لاحقا في هذا المقال.

الكذب المرضي: وهذا النوع غالبا ما يكون نتاج كل الأنواع السابق تناولها.. وسنناقش ذلك أيضا لاحقا في هذا المقال.

ومن المعروف أن سلوك الكذب عند الأطفال يتأصل عندما يخدع الآباء الأبناء بوعدهم بعدم إذاعة فعل ما قام أحدهم بارتكابه ثم يعلنان عن الفعل ويقومان بإفشائه أمام الأصدقاء أو الأقارب وهم بالنسبة للطفل من الأغراب (من خارج المحيط الأسري).. عندها يشعر الطفل بالحرج الشديد وقد يكون الطفل من ذوي الحس المرهف فيشعر بالمهانة.. ومن المحتمل أن يشعر بالمذلة.. وهو شعور قاتل لدى الأطفال.. والنتيجة الحتمية لذلك أنه يفقد الثقة بوالديه ومن ثم يلجأ الى الكذب بعد ذلك.

وعن العلاقة بين الآباء والأبناء أيضا فكثيرا ما يقطع أحد الوالدين أو كلاهما وعدًا على نفسه بتقديم هدايا أو القيام بنزهة أو شراء لعبة وهى جميعها أنواع من الإثابة التي إذا لم تتحقق فإنها تصيب الطفل بصدمة نفسية.. وتكون المصيبة أعظم إذا تكرر الأمر فسيؤدي ذلك إلى نكسة نفسية وخيمة.. ومما يثير العجب أن حجة الآباء دائما جاهزة عند عدم الوفاء بالوعد وهو أن ابنهم ما هو إلا مجرد (طفل صغير لا يفهم شيئا).. وهو أمر جد خطير أقل ما ينجم عنه من خسائر هو اللجوء إلى الكذب وهو ما يدفعنا إلى التأكيد على إيلاء هذا الموضوع أهمية قصوى.

وعن طرق العلاج فهي كثيرة جدا ومتعددة لدرجة أنه من الصعوبة بمكان حصرها في مقال أو عدة صفحات إلا أننا سنحاول جاهدين أن نذكر أهمها وأكثرها تأثيرا وخاصة ما يكون علماء النفس وأساتذة التربية قد اتفقوا عليه.
وسيكون ذلك هو موضوع مقالنا القادم.. فإلى اللقاء بحول الله.

د. مصطفى عابدين شمس الدين
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قيم الموضوع
(5 أصوات)