عن مواقع التواصل الإجتماعي.. 2

  • د. مصطفى عابدين
  • الأحد, 10 سبتمبر 2017 13:26
  • نشر في مقال رئيس التحرير
  • قراءة 196 مرات

كنا قد تناولنا فى مقالنا السابق تحت نفس العنوان ذلك التأثير الشعبى الجارف والذى أصبح سائدا فى السنوات الأخيرة وخاصة فى العقدين الأخيرين بين الناس فى قارات العالم الخمس ومن كافة الأعمار وخاصة الشباب والأطفال .. وكما يؤكد علماء النفس والتربية – وكذلك الأطباء – أن الأبناء من سن 11 إلى 18 سنة يقضون أكثر من تسع ساعات يوميا على الإنترنت وشبكات التواصل الإجتماعى وفى إستخدام الألعاب .. وهو أمر جد خطير وخاصة إذا ما أخذنا فى الإعتبار أثر ذلك فى التأثير على الوجدان الجماعى والرأى العام والتى باتت تتشكل من تلك الوسائل الحديثة والتى يسودها ثقافة " الإختزال " و " الإجتزاء " وما يشوبها من سلبيات عديدة.

ولو تمعنا فى الأمر بهدوء لوجدنا أننا كنا قبل هذه الطفرة التكنولوجية قد تعودنا أن ما يترسخ فى أذهاننا يكون نتاج ما تحشوه مناهجنا التعليمية فى أدمغتنا وما يبثه الإعلام الرسمى من إذاعة وتليفزيون وصحف ورقية وجميعها فى معظم الدول إن لم يكن كلها موجه من الحكومات .. هذا فضلا عما يقدمه لنا الدعاه والأئمة ورجال الدين فى المساجد والكنائس .. والأن دارت البوصلة بنسبة 180 درجة فى ظل تلك الطفرة التكنولوجية ووسائطها المتعددة .. ولم يتوقف الأمر عند ذلك بل إمتد ليشمل الوسائط التقليدية مثل هذا العدد الكبير من الصحف الورقية الخاصة والمملوكة للأشخاص أو الأحزاب إلى جانب الكثير من القنوات التليفزيونية الخاصة .. هذا بطبيعة الحال بالإضافة إلى هذا العدد الهائل من المجلات والصحف الإليكترونية.

وتأسيساً على كل تلك المعطيات أصبح الكثير من الناس – وخاصة الشباب والأطفال – لا يعرفون إلا أقل القليل عن دينهم .. فضلا عن هؤلاء الذين لا يعرفون شيئا على الإطلاق كنتيجة طبيعية لعدم الإهتمام بالمعرفة وهو ما يشجعهم عليه الشركات والأفراد الذين يداعبون أحلام الشباب بتقديم كل ما يبهرهم لدرجة أن بعضهم يزعم أن العلماء قد أكدوا أن الخلايا العصبية تفرز مواد معينة فى المخ تعمل على منح مستخدمى الهواتف الذكية شعورا بالغبطة والسكينة والرضا كما تمنحهم نشوة الثقة بالنفس وبالقدرة على ترويض النفس وإخضاعها.

والسؤال الحتمى الذى يفرض نفسه هو ما إذا كان بإستطاعتنا أن نطبق نفس هذه القواعد التى تناولناها هنا على بقية المعارف الإنسانية والعلوم ومدخلات الثقافة بكل أشكالها وتنوعاتها وهذا الأمر بالتأكيد ستكون محصلته وبالا على البشرية بالكامل حيث ستترسخ الهشاشة والإستخفاف وتشيع الخفة وهو ما سوف يجعل العقل البشرى مستعداً لتقبل الترهات والهرتلات وحتى التهويمات وهو – أى العقل – يحسبها أجمل ما فى الكون حتى ولو كان المعروض عليه غث وتافه وغير حقيقى أو حتى قائم على رفض كل ما تعارف عليه الناس وكان السبب فى تشكيل وجدانهم ومداركهم وهو ما سيؤدى حتما إلى فقدان الثقة فى الثوابت بما فى ذلك ثوابت الدين.

وهناك من الكُتاب والمفكرين من يرى أن ثورة التكنولوجيا هذه بما تشمله من مواقع التواصل الإجتماعى والهواتف الذكية وما نتج عنها من فجوة هائلة بين الأجيال التى لم تعاصر هذه " الثقافة الجديدة " وأجيال حديثة نشأت وفقا لتلك المفاهيم الحديثة هو أشبه بما حدث عند ظهور التليفزيون وكان الناس فى ذلك الوقت قد إعتادوا على الراديو حتى أصبح الكتاب والصحفيين ورسامى الكاريكاتير يطلقون على هؤلاء الأبناء "جيل التليفزيون " وتنهال الطرائف فى المجالس وتملأ الرسوم الكاريكاتيرية صفحات الجرائد وكلها تتندر بما يفعله أو يقوله هؤلاء الأبناء من الأجيال الجديدة التى نشأت فى رحاب التليفزيون .. ولكننا هنا لابد أن نضع فى حسباننا عدة أمور من بينها أن جيل التليفزيون الذى ظهر فى تلك الآونه هم آباء اليوم .. وأن التليفزيون كان يقدم فى معظم الأحوال المواد الإذاعية مصحوبة بالصور وهو الأمر الذى ساعد على سرعة تذويب هذه الفوارق بين الأجيال حتى أنه يقال أن هذه الأجيال قد إنصهرت فى بوتقة واحدة فى تلقى ما يقدمه التليفزيون من مواد حتى إستقر الأمر على ما كان عليه حتى وقت قريب حتى أن أحد الكتاب قد قال – وأعتقد أن قوله صحيح إلى حد بعيد – أن التليفزيون قد صار للمنزل وأن الراديو للسيارة .. بالإضافة طبعا إلى تلك الأماكن التى لا يتوافر فيها البث التليفزيونى.

وإذا كنا نضع كل ما سقناه هنا فى حسباننا فإننا بذلك نكون قد قدمنا فقط الجانب المظلم للموضوع وهو كما ولابد أن نعترف أنه غير عادل وأن علينا أن نعرض لكل الإيجابيات والسلبيات وهو ما سنحاول أن نتطرق إليه فى مقالنا القادم.

فإلى لقاء قريب ومقالنا القادم بحول الله.

بقلم: د. مصطفى عابدين شمس الدين
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قيم الموضوع
(1 تصويت)