عن الأمراض النفسجسمية

  • د. مصطفى عابدين
  • الخميس, 03 أغسطس 2017 10:49
  • نشر في مقال رئيس التحرير
  • قراءة 180 مرات

بقلم: د. مصطفى عابدين شمس الدين

قد يحدث لأحدنا أن يدخل فى مجادلة كلامية أو نقاش حاد فيشعر بصداع أو دوخة أو غثيان .. وعلى الفور يسارع البعض بالنصح بضرورة قياس ضغط الدم .. وفى أغلب الأحيان يكون هناك بالفعل إرتفاع فى درجة ضغط الدم .. وهذا يعنى أن الحالة النفسية قد أثرت على الجسم وظهرت عليه أعراض جسدية ملموسة .. ونفس الحال يتكرر مع مرض السكرى وهو من الأمراض المعروفة لدينا جميعا فضلا عن بعض الأمراض الشائعة الأخرى مثل القولون العصبي .

وكثيرا ما يحدث أن يشعر أحدنا بالمرض أو التعب ويسأله الآخرون عما إذا كان قد حدث ما يضايقه أو يعكر صفوه .. ولا يتوقف الأمر عند الناس العاديين بل إن هذا السؤال قد يوجه إلينا من بعض الأطباء .. ومما قد يزيد من دهشتنا أن يوجه لنا الطبيب هذا السؤال بعد الفحص الشامل والدقيق لما نشكو منه .

وفى الحقيقة فهذه الأمراض تسمى الأمراض النفسجسمية أو الأمراض النفسية الجسدية وهى ترجمة دقيقة للمصطلح الإنجليزى ( psycho-physical diseases ) وفى أحيان أخرى يُطلق عليها ( psycho-somatic diseases ) والمعنى واحد على أية حال والمقصود بها هو شعور المريض بآلام جسدية فى منطقة ما وتكون على أشكال مختلفة تتراوح بين الحرقان والتنميل والشكشكة وأحيانا القيء .. وهذه الأخيرة تكثر عند الأطفال على وجه الخصوص وهو ما يسمى ( hysterical vomiting ) أو " القئ الهستيري " والذي يفسر على أنه دليل رغبة في مقاومة شيء ما لا يستطيع الطفل أن يفصح عنه .. وكمثال على ذلك الطفل الذى لا يرغب في الذهاب إلى المدرسة لأنه يواجه هناك بعض المشاكل مثل مضايقة بعض الأطفال الآخرين له أو أنه يلقى معاملة غير محببة لديه من أحد المدرسين أو أكثر .. وهو هنا يكره المدرسة أو على الأقل لا يرغب فى الذهاب إليها .. وهذا الطفل لا يستطيع أن يفصح عن رغبته هذه في عدم الذهاب للمدرسة حتى لا يقابل بالإستنكار الشديد من أسرته فضلا عن اللوم والتعنيف .. وهنا يكون ذلك الأسلوب الهروبي النفسي والذي يظهر جسديا على شكل قيء مما يجعل الأسرة تتقبل فكرة عدم الذهاب للمدرسة لسبب معقول " من وجهة النظر الطفولية " وهو المرض .. وتجد هذا الطفل ذاته لا يواجه مشكلة القيء هذه أيام العطلات والإجازات .. ومن الطريف أن بعض الأسر تفسر ذلك القيء فى الصباح لطفلهم بأنه بسبب عدم كفاية النوم .

ومن المعروف في مجتمعاتنا الشرقية وفي عالمنا العربى على وجه الخصوص أن العلاج النفسى لا يلقى منا أى ترحيب .. وقد يربط البعض بين المرض النفسى والجنون .. وفى أحيان أخرى نتهم من يُعالج نفسيا بضعف الإيمان أو عدم الرضا .. وتأسيسا على ذلك فإنه يجب علينا أن نعمل على تغيير المفهوم السائد لدينا – ولدى من يهمنا أمره – بالنسبة للعلاج النفسى .. وأنه مثل أى مرض جسدى يجب علاجه دون حرج أو خجل .

وهنا لابد أن نلقى الضوء على فكرة العلاج النفسى فى مثل الحالات التى ذكرناها فى هذا المقال والتى تعتمد على محاولة تحسين الموصلات العصبية المسئولة عن الخلل المتسبب فى القلق أو الإكتئاب والذى يؤدى إلى بعض الأعراض الجسدية التى تحدثنا عنها .. وهذا الأمر يتحقق عن طريقين :
أولهما بالعلاج الدوائى والذى يجب أن يصفه طبيب حاصل على دراسات فى علم النفس فضلا عن دراستة للطب بطبيعة الحال .

وثانيهما بالعلاج المعرفى السلوكى والذى يعمل على مساعدة المريض على التعبير عن نفسه سواء فى حالات الفرح أو الحزن فضلا عن المساعدة فى مقاومة الأفكار التى تؤرق المريض أو تتسبب له فى القلق وهذا من شأنه المساعدة على تغيير مسار تفكيره ليكون أكثر إيجابية والعمل على تحسين المهارات والأنشطة لديه وبالتالى تتحسن طرق تواصله مع الآخرين .. وهذا العلاج المعرفى السلوكى من الممكن أن يُسند إلى أخصائى نفسى أو أى شخص دارس للتربية وعلم النفس شريطة التعمق فى الدراسة والرغبة فى المساعدة .

وفى جميع الحالات سوف نلمس تحسنا واضحا فى الأعراض الجسدية والتى لابد أن ينعكس على الحالة النفسية .

وإلى موضوع جديد ومقالنا القادم بحول الله .

د. مصطفى عابدين شمس الدين
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قيم الموضوع
(1 تصويت)