لمسة وفاء

  • د. مصطفى عابدين
  • الجمعة, 20 فبراير 2015 10:34
  • نشر في مجتمع
  • قراءة 687 مرات
الأمير الوفي ومعلمه الأمير الوفي ومعلمه مجلة أصداء عربية

بقلم : د . مصطفى عابدين شمس الدين

-    إنك لم تشرب الشاي يا سيدي  .. لقد برد تماما .. هل أحضر لك غيره ؟
-    لا .. شكرا .. لا رغبة عندي في احتساء أي شيئ الآن .
-    كما تحب يا سيدي .
قال الخادم ذلك وهو يجمع أكواب الشاي بعد أن رأى إشارة يد سيده التي يعرف معناها جيدا .. إنه لا يرغب في شرب الشاي ولا في التحدث مع أي أحد .. إنه يرغب في الانفراد بنفسه .. وهو كثيرا ما يفعل ذلك .. وهذا يعني – من طول معرفته بسيده – أن هناك ما يشغل ذهنه .. لهذا أغلق الباب خلفه بهدوء وانصرف.


تنهد صاحبنا بعد أن وضع ساقا فوق الأخرى .. ودق بأصابع يده على الطاولة أمامه برفق .. إنه على وشك أن يتخذ أخطر قرار في حياته .. سيدخل التجربة .. وسينجح بإذن الله .. سيكمل ما بدأه منذ شهور طويلة ولن يثنيه عن ذلك شيئ .. سيواصل دراسته .. وسيكتب أبحاثه .. وسيدخل امتحان الماجستير فى الاقتصاد والعلوم السياسية .. وسيجتازه مع الإصرار على النجاح بإذن الله .


هكذا كان يفكر الأمير فهد بن عبد الله بن جلوي آل سعود في غرفة " المجلس " الملحقة بغرفة مكتبه عندما طاف في مخيلته شريط حياته الحافلة بالنجاح والإنجازات .. ولا يدري لماذا قفز إلى ذهنه صورة رجل بعينه .. كان مدرسا له عندما كان تلميذا صغيرا في المدرسة الابتدائية  .. صاحب القلب الطيب والابتسامة الودودة الصافية التي كانت تملأ صفحة وجهه على الدوام .. حتى في تلك اللحظات النادرة التي يبدو فيها غاضبا .. سرعان ما كان يعود إلى إبتسامته الحنون .


لا يدري لم قفز هذا الرجل إلى مخيلته في تلك اللحظات الحاسمة في حياته .. إنه طوال مشوار حياته لم ينس هذا الرجل أبدا .. لقد ترك هذا الرجل أثرا في حياته غير كل من درسوه .. كانوا أطفالا دون السادسة .. وكانوا يحضرون إلى المدرسة مبكرين لأنه علمهم ذلك .. كان دائما يقول إن إرادة الإنسان قادرة على تحقيق أي هدف بالعمل الجاد والمثابرة والإصرار .. وقبل وبعد كل ذلك بالتوكل على الله وخشيته .


أحس برغبة عارمة في أن يرى هذا الرجل الآن .. تُرى أين هو الآن ؟ هل لا يزال على قيد الحياة ؟ هل لو جلس معه قليلا سيشجعه على ما هو مُقبل عليه ويصفق له كما كان يفعل في الماضي ؟


نهض من مكانه مسرعا .. ودخل إلى غرفة مكتبه .. وأخذ يبحث في أحد الأدراج عن مظروف بعينه حتى وجده .. إنه مظروف قديم يحتوي على الكثير من الذكريات ومن بينها صورة جماعية لتلاميذ الصف الأول الابتدائى بمدرسة خالد بن الوليد الابتدائية بالدمام عام 1979.. وفي وسط الصورة كان يجلس معلمهم الأستاذ أحمد الجزار وقد تحلق حوله تلاميذه الذين تكاد تنطق نظراتهم بأنهم لن ينسون ذلك الرجل أبدا .. وفي نفس المظروف كانت هناك ورقة صغيرة قد طبقها بعناية .. مكتوب فيها بخط جميل للغاية عنوان الأستاذ أحمد الجزار في مصر .. لحسن الحظ أن الله ألهمه أن يطلب من الأستاذ عنوانه قبيل مغادرته عائدا إلى وطنه .. وقد قبل الأستاذ ذلك وكتب عنوانه مرحبا كعادته عندما يطلب أحد تلاميذه منه شيئا .. ومن فضل الله أنه احتفظ بهذه الورقة طوال هذه السنوات .


أمسك الأمير بالورقة في يده بلهفة .. وكانت يده الأخرى تدق الجرس لإستدعاء سكرتيره الخاص الذي حضر على الفور .. وطلب منه أن يحجز تذكرة بالطائرة فورا إلى القاهرة .. وأن يذهب إلى العنوان الذي كتبه له .. وأن يسأل عن الرجل ويُهاتفه من هناك .  


وبالفعل سافر السكرتير فجر اليوم التالي .. واتجه مباشرة إلى العنوان المكتوب .. وكان قبيل صلاة الظهر يهاتف الأمير فهد ويطمئنه إلى أن الأستاذ أحمد الجزار بخير ويتمتع بصحة جيدة .. وتحدث الأمير إلى الأستاذ – عبر هاتف السكرتير – مذكرا إياه بنفسه .. وللعجب أنه وجد الأستاذ يتذكر تلك الأيام الجميلة التي قضاها وسط أهالى مدينة الدمام الذين يتصفون بالبساطة وطيبة القلب .. وكان الأمير أكثر دهشة عندما أخبره الأستاذ بأنه لا يزال يذكر وجهه الطفولي الجميل .. وقسماته البشوشة الضاحكة بعد كل هذه المدة والتى تزيد عن الخمسة وثلاثين عاما .


وأعرب الأمير عن سعادته لذلك .. ودعا الأستاذ دعوة شخصية لزيارته في السعودية .. وأن يحل ضيفا عليه لتأدية العمرة على نفقة سموه .


وشكره الأستاذ .. وسافر إلى السعودية .. وأترك لكم تخيل ما حدث أثناء لقاء الرجلين .. وما بعدها وحتى انتهاء العمرة.


بعد عودة الأستاذ أحمد الجزار إلى مصر .. كان أول ما فعله أن إتصل هاتفيا بالأمير ليشكره على دعوته الكريمة وعلى حسن ضيافته .. فما كان من الأمير إلا أن قال بكل الحب والمودة :
-    يا أستاذنا .. لقد علمتني عندما كنت صغيرا .. وشاركت في غرس الكثير من القيم الجميلة في نفسي .. وترك كلامك لنا ونحن صغار أجمل الأثر في نفوسنا .. وهذا فضل منك وإحسان .. وما جزاء الإحسان إلا الإحسان . 


وقد خُيل للأمير أنه سمع بكاء أستاذه وهو يكرر كلمات الشكر والإمتنان .


بعد هذا انشغل الأمير في دراسته للماجستير حتى كلل الله جهوده بالنجاح وحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد والعلوم  السياسية .. وكان أول ما فعله بعد حصوله على الدرجة العلمية أن إتصل هاتفيا بأستاذه القديم ليستعد للسفر مرة أخرى لأداء العمرة على نفقة سموه .. وكانت هذه إحدى أجمل لمسات الوفاء من طالب لأستاذه .

مصطفى عابدين شمس الدين
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الجمعة, 20 فبراير 2015 11:42
  • حجم الخط