هنا القدس العربية

  • ناديا دويك كمال
  • الإثنين, 01 يناير 2018 10:53
  • نشر في ناديا دويك كمال
  • قراءة 56 مرات

بقلم ناديا دويك كمال

القدس/ فلسطين

معذورون إذ يتحدثون عن متاحف باريس وجمال روما وساحات لندن ونيويورك وحدائق أنقره وجمال المدن وسحر عجيب يعم العالم، حقا معذورون فهم لا يعرفون القدس، لأنهم لو عرفوها لحوّلوا أنظارهم إليها ولنسوا كل العالم دونها، فاسمحوا لي أن أتحدث عنها قليلا بحروف بسيطة لا تفيها حقها..!!

مجرد أن تدخل هذه المدينة الجميلة يرحب بك سورها العظيم، وشوارعها العتيقة كشارع صلاح الدين والزهرة وغيرها ، وحاراتها العنيدة الشامخة كحارة السعدية وباب حطة وحي الواد والبلدة القديمة، وأحياؤها الجميلة كوادِ الجوز والشيخ جراح وراس العامود وسلوان والعيسوية، أزقتها، مدارسها، مساجدها، كنائسها ومتاحفها، كل شيء فيها يرحب بك بلغة العروبة ، لتشعر بشعور مختلف، شعور لا يوصف، تشعر أنك تريد أن تعانق المكان، لا بل إن المكان يريد أن يعانقك ليؤكد للكون أجمع عروبة المدينة..

تريد أن تحتضن كل ركن، كل حجر، كل حي، كل شارع، تشعر أن أنفاسك تعانق نسمات هوائها الهادئة، تشعر أن كل شيء فيها يحدثك، يكلمك بلغة القرآن، يحكي حكايات الأجداد وبطولات وأمجاد، وتاريخ العظماء لتتذكر فيها عدل عمر وبطولة صلاح الدين وعز الدين القسام وعبد القادر الحسيني وغيرهم ممن سطروا على جدرانها مواقف بطولية وتاريخا لا ينسى ووثقوا عروبتها بتواقيع من دمائهم ودموعهم..

هنا القدس العربية..

عطورها التي تخترق الأجواء تفوح أصالةً وعراقة ًوعروبة فاقت في جمالها أفخر وأعظم العطور الباريسية التي يتفاخر بها العالم، بخورها، مسكها والعنبر، العود والصندل، ورائحة الزيت والزعتر، وخبز الطابون، بهاراتها الفاخرة والقهوة العربية الأصيلة.. الفلافل والحمص والفول والشاورما والكعك اللذيذ برائحته المقدسية المميزة، إنه كعك القدس وما أدراك ما كعك القدس..!!!!

ثم حلوياتها المتمثلة برائحة الكنافة النابلسية التي تنطلق من محل العم جعفر، تشعر أنك تريد أن تعانقها جميعها، تشتمها، تود لو أنك تضعها في صندوق مخملي وتحتفظ بها إلى الأبد.....
الله الله ما أروعها....!!

أسواقها المتنوعة، سوق العطارين، سوق الدباغة، السوق العتم، سوق اللحامين، وغيرها، تنتشر فيها البضائع المختلفة من كل شكل ولون، وأصوات الباعة تتعالى وكأنها في سباق لاجتذاب المارين، تود لو تشتري أي شيء منهم، لا لشيء، فقط لأنها من القدس....

هنا القدس العربية..

تمشي في شوارعها القديمة، كل شارع يحكي حكاية شعب ونضال وتحدي، حكاية صمود وعنفوان، بيوت ومحلات وخانات بعضها ما زال يسكنها أهلها، وبعضها الآخر سكنه الغرباء بعد أن طردوهم منها، أطفال مثل الزهور، ولكنهم عندما يحيط الخطر بقدسهم تجدهم رجالا كـبارًا، ليسوا كأطفال العالم، ألعابهم من بقايا الرصاص والبارود والبنادق، ضحكاتهم ممزوجة بإصرار وتحدي يصارع الزمن ويزرع خنجرًا في صدر المحتل، هؤلاء هم أطفال القدس، الذين رسموا بألوانهم الشقية على الجدران لوحاتٍ من تضحيات وفداء ووفاء وبأناملهم الصغيرة حفروا على حجارتها وجدرانها :
"القدس عربية.. وستبقى عربية"..

ومجرد أن تصل بوابات الأقصى تصيبك حالة غريبة ممزوجة بالفرح والسعادة والرهبة وألم وحزن، وأول ما تطأ قدمك باحاته تشعر بقدسية تامة وهيبة وعظمة تملأ المكان وتشعر بخشوع عظيم لا شبيه له، تمتليء عيناك بالدموع رغما عنك وكأنها تعانق دموع الأقصى الحزين، تُشخص البصر على طول المدى نحو القبة الذهبية التي تشع نورا وضياء كأنها الشمس بل أحلى وأجمل، وتسمعها تهمس لك فتطير روحك إليها قبل امتداد البصر لتصيبك عدوى الشموخ والكبرياء، وتتمنى لو كنتَ عصفورًا ترفل حولها وتُقبلها صباح مساء...

ثم تكمل التجوال في الساحات لتسلم عليك أشجار الزيتون واللوز والنخيل، وتحكي لك حكاية صمود متجذر في ذاك التراب المعجون بالأصالة والعراقة وعبق تاريخ طويل من النضال ودموع العاشقين المحملة بأشواقهم والحنين والأنين الممتد عبر سنين، وتروي لك قصص الجدات وكيف كانت تتبادل معها الحكايا والأسرار.. ثم يمتد بك البصر إلى تلك المآذن الشامخات التي تعانق السحاب سموا وشموخا فتزيدك إصرارا وعزيمة على التحدي والبقاء..

وأخيــرًا تصل إلى باب المغاربة والمسجد الأقصى وحائط البراق الذي ربط فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم ناقته، فتملأ المكان هيبة عظيمة ويصيبك خشوعٌ غريبٌ لم تشعر به من قبل، نسمات روحانية تدغدغ روحك كيف لا وأنت في حضرة المحبوب عليه الصلاة عليه السلام؟! وتعبق في المكان رائحة زكية عبقة بالمسك والعنبر، تدخلك في حالة روحانية أشد وأقوى من سابقتها وتشعر وكأن الملائكة تحيطك، تسلم عليك، تبتسم لك، وتطير بك إلى السماء، تترغرغ عيناك بالدموع وتتساقط على الأرض الطهور فتأبى أن تمسحها لتترك لك أثرا يبلغ الحبيب منك المحبة والسلام..

وتسمع صوت الأذان ينادي عليك حيِّ على الصلاة حيِّ على الفلاح، ترد عليه الكنائس برنين أجراسها الممتليء بالحنين وكأنها تبلغك السلام من مريم العذراء وعيسى عليه السلام والأنبياء الذين مرُّوا من هنا..

ثم تصلي صلاتك بخشوع ودموع، تُحيّي المسجد وتحيي الحبيب وتشكر الله وتحمده، وتمضي وخطواتك مُتَسمّرة في المكان تأبى المسير، ودموعك تنهمر حزنا وألما وقهرا على مسرى الحبيب، وتبقى روحك معلقة بالمكان..

ماذا أقول لكم عن القدس وماذا؟؟ فالكلام عنها لا تكفيه حروف وسطور، ولا مجلدات ومعاجم وكتب، الكلام عن القدس يحتاج إلى تاريخ جديد يكتبها وحدها، يحكي حكايتها، لأنها هي التاريخ وهي كل الحكاية، عربية هي وستبقى عربية، ومهما كتبنا عنها تبقى حروفنا وكلماتنا وكل لغات العالم صغيرة جدا جدا أمام بهائها وعظمتها وقدسيتها.. فهل عرفتم لماذا أذوب فيها عشقا وحبا...؟

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الإثنين, 01 يناير 2018 11:33
  • حجم الخط
المزيد في هذه الفئة : « الأقصَى.. عشقٌ لا ينتهي