خيمةٌ سَوداء

  • ناديا دويك كمال
  • الجمعة, 15 مايو 2015 06:55
  • نشر في ناديا دويك كمال
  • قراءة 497 مرات

بقلم : ناديا دويك كمال

كم هزّتني كلمات هذه القصيدة لشاعر سوري كتبها من قلبِهِ الْمحرُوق على وطنه سُوريا ، وَألقتها طالبة فلسطينية من القدس بحرقة ومرارة ودموعٍ موجعة ، ما جعلَ كلّ من سمِعَها يَبْكي ألماً ووجعاً .. لتؤكد بصوتها الباكي عمقَ اللحمة بين الشعبين الفلسطيني والسوري ومشاركتهما معا ذات الوجع والجرح والمُعاناة ..

يقول مطلع القصيدة :

سألَهُم طفلهم في آولها : ما هذا ؟!!

أجَابوهْ :

خِيمة سُودا .. بِتزول

سألهم طفلهم في آخرها : ماهذا ؟!!

أجابوهْ :

خِيمِة سُودا .. لَمَذلُولْ

هادْ بِيتك مربوطْ بِحْبَالْ

وهَيْ حَارْتكْ .. صَحْرا وجبَالْ

وكِلْ مينْ سألكْ عَن عنْوانْ

قلْهُمْ ضَااعْ !! أنا .. بَلا عِنْوانْ

ما عاد إسِم بابا ع الباب

بابا استشْهََدْ .. وما عادْ في بَاب

وعلى حِيطْ خِيمْتي القْماش في وجَعْ عَم يِئِن ..

وفي حرفينْ زِرق كبار ْبيتْهجُوا UN

وفي الك ماما إسِْمها سُوريا ..

هيْ مو هوون هيْ هنييك مطرَح الناّر والدّخانْ عَمْ يِطلعْ

وصرخات ْ وآهات وأرواحْ عَمْ تِطلعْ ..’’

نعمْ باتَ هذا حَالُ العربي أينما كان "خيمةٌ سوداء" ، جدرانها من قماش الأسى والقهر ، سقفها من وجعِ سنينٍ وجراحٍ غائرة ونكباتٍ متتالية ، أرضُها حَسَراتٌ وأنّاتْ ، غابَ عنْ ملامحِها صورةُ الأنْسانْ وطعمُ الحياة ....

خيمَةٌ سَودَاءُ جَلّلتْ أحْلامَ أطفالنَا ، دفنت أمانيهِمْ في قبور النّسيانْ ، حطّمَت كلّ آمالِهمْ عَلى حُدود الزمانْ ، لوَنَت أعمارهُم بألوان العذابْ ، ضيعتهم ، مزقتهم ، حتى باتوا بلا اسمٍ ولا عنْوانْ ..

خَيْمَةٌ سَوداءْ تحملُ في معانيهَا كل أشكالِ البؤس والشقاء ، تعبق من أرجائها روائحُ الموت الذي يقترب ببطء فيخطف ما بقيَ مِن شظايا الرّوح لهؤلاءِ المنكوبينَ هناك ، لتخرج منها أجسادُ الموتَى بلا أكفانٍ ولا أعناقَ تحملها .. وحدهُ الرّحيلُ يطويْها في أيّ زاويةٍ من زوايا اللامكان ...

خيمةٌ سَوداءَ تصرخُ جدرانهَا أنيناً على ساكِنيها الصّغارْ والكبارْ أيضاً ، تستغيثُ حِبالُها المهترِئةِ بذرّةِ ضميرٍ ، ترجو بعضّ رَحمَةٍ تغطّي تلكَ الأجسادّ الغضّة لتقيها بردّ الشتاءْ وتحميهَا من حرّ الصيفْ ..

خيمة سَوداءْ كانت وما زالتْ ملجأ الفلسطينيّ منذ 67 عاما ، ورّثَها الجد ، للأبِ ، للحفيد ، حملوا فيها مفتاح أملٍ وحلمُ عَودةٍ كم تمنوا أن تكونَ قريبَة فوَجدوها تبعُدُ مسافَةَ أعوامٍ وَعقودْ .. واليوم ومنذ أربع سنوات باتت هذه الخيمةُ ملجأ "السوري" ليُكْتبَ على جبينه "لاجيء" ويشاركُ بها أخاهُ الفلسطينيّ شتاتاً وغربَةً وضياعا..

حمل السوري جرحه في كفه وبات غريبا في ملاجئِ الشتات ، بات أكله قهرٌ ومرارة ، وشربه وَجَعٌ وحَسرات ، باتت بناته تُسبى وتباع في المزادِ كالجاريات ، وأطفاله تُذبح في الطرقات ، ورجاله في القبور والمعتقلات ، وكل حياته سوادٌ بسواد ...

بالله عليكم يا ولاة أمرنا ، يا حكامنا ورؤساءنا وملوك أوطاننا ، ما شعوركم حين يسألكم طفلكم : لماذا يعيش أطفالٌ بعمري في خيمة سوداءَ وأنا أعيش في قصرٍ منيفٍ ؟! لماذا يموت أطفالٌ بعمري من البرد والجوع والقهر وأنا تتوفر لي كل أسباب الدفء والرفاه والحياة ؟؟! لماذا يُذبحُ طفلٌ أمامَ أمّه ويقتل أبٌ أمام أطفاله وأنا وسطَ حاشيةٍ من الخدم والحرّاس أنعم بالامْن ِ والسّلام ؟! لماذا ولماذا ولماذا ..؟؟!!!! أم أنكم تبعدون أطفالكم عن الأخبار وتمنعون عنهم الاختلاط والإنترنت ووسائل الاتصال حتى .. لا يسألونكم ..؟!!

بالله عليكم ماذا فعلتم لنا ونحن رعاياكم الذين وصاكم بنا رسولنا الحبيب عليه الصلاة والسلام حين قال : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " ، أهذه هي الأمانة التي حملتموها على أعناقكم وحلفتم الأيمان على صونها وأدائها ، بالله عليكم أما شبعتم من أموال أمريكا وإسرائيل التي تدفعها لكم ثمنا لقهرنا وذلنا وذبحنا ، أما شممتم رائحة العفن الذي ينبعث من كراسيكم وعروشكم ؟! أما مللتم من عذاباتنا وويلاتنا ونكباتنا التي تتوالى منكم وتزيد ؟؟!! ..

هل أصبحتم عن مآسينا كالقردة الثلاثة " صُمًّا بُكمًا عُميًا " ؟! أما شبعتم من شرب دمائنا وأصوات نحيبنا ودموعنا وأحزاننا ؟! .. ألا تستحون من الله تعالى وأنتم تتوضأون لصلاتكم من دمائنا ، وتُصَلّونَ على جُثثِ شهدائنا وتدْعونَ بالسّترِ لبناتِكمْ ونِسائِكمْ وأنتم تستبيحون أعراضنا ،وتغتصبون نساءنا وفتياتنا .. وبعد كلّ هذا تظنون أنه سبحانه سيغفر لكم خطاياكم ويتقبل منكم صلاتكم..!! .

متى تعقلون أن السواد الذي لونتم به سماءنا سيعكِسُ ظلامهُ عليكم ؟! متى تفهمون أن البركان الذي أشعلتموه في أوطاننا حتما سيحرقكم ويذيب وجودكم ، وأن طوفان الدم الذيأغرقتمونا به اليوم غدا سيجرفكم ، وستعانون من مخلفات ما تفعلونه بنا اليوم ، وأنكم حتما زائلون؟!

نعمْ هيَ خيمة ٌسوداءَ .. ولكنّكمْ وضعتم فيها كُلّ خيباتِكمْ ودفَنتُم فيها كَرامتِكِمْ ونَخوتِكمْ ورُجُولتِكمُ وشَهامتِكُم وعِزّتكِم وكلّ مَعانِيْكُمْ الإنْسانيّة ، هي خيمةٌ سوْداءَ جَلّلَت على أعينُكم فما عُدتُم تَرونَ إلا السّوادَ والحقْدَ والظُلم ، نعمْ هيَ خيمة ٌسَوداءَ جَعلتُمُوهَا لنَاسَكَنًا وبَيْتًأ .. ولكنّهَا سَتَكونُ لكُم ْ كفَنَاً ومِحرَقة تحرِقُ أرْكانَكُم وَعُروشَكُمْ باذنِ اللهِ تَعَالى .. واللهُ يُمْهلُ ولا يُهمِل ْ ..

وأختم ببعضِ كلماتٍ لي كرسالةٍ إلى كل من تسبب في مآسينا :

البِسُوا عباءاتِكمُ ..

واختبِئوا خلفَ الستارْ ..

واضربوا الخمُر على وجُوهِكُم ..

والزمُوا الدّيارْ ..

لا تُنادوا يا رُجُولَة

قد بَاتَتْ في إندِثَار

يَا ضميْرَ الغائبِ العَرَبيْ

يَا عالمَ الحَضَارَة ..

باتَ عالمُكم ..مليئٌ بالقَذارَة

قدْ لوّثْتم بنجاستِكم كلّ مَعاني الطّهارَة ..

افرَحُوا بِإنْجَازَاتكُمْ ..

وآصْنَعوا مِنْ أشلاءِ أطْفَالِي

كَعْكَ أعيادِكِمْ ..

ارقُصُوا ..واطْرَبُوا ..

وآقرؤا معاً تراتيلَ المساءْ ..

وردّدُوا تَرانِيم َ الأعْيادِ والميْلادْ ..

وصلّوا آخِرَ صَلاةٍ لكُمْ ..

وادْعُوا اللهَ الواحِد َ القهارْ .

أن يغفرَ خَطايَاكُم ..

ولنْ تُغفَرَ خطايَاكُم ..!!

حضّروا التابوت ..

وزيّنوه بالآلئ والياقوت ..

وانتظروا الحِسابْ ..

ونحنُ معَكمْ منْتَظرُونْ ..

فإذا ماتَ العدْلُ في الدّنْيا ..

فعدْلُ الحَقّ باق ٍ لا يَمُوتْ ..

( ملاحظة : الخيمة ممكن أن تكون بيضاء أيضا أو زرقاء أو غيرها ، ولكن القصد من السواد هنا هو سواد القلوب وشدة الظلم والقسوة )

ناديا دويك / كمال
القدس الشريف

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الجمعة, 15 مايو 2015 07:05
  • حجم الخط