كلنا اليوم حنظلة

  • ناديا دويك كمال
  • الأربعاء, 22 أبريل 2015 10:12
  • نشر في ناديا دويك كمال
  • قراءة 407 مرات

بقلم ناديا دويك كمال

...كلما ازدادت هموم أوطاننا وخيباتنا ، أصابني اليأس والإحباط ، وقررت الكتابة عن حنظلة ، ودوما يوقفني قلمي قائلا : لعلّ الله يُحدث بعد ذلك أمرًا ، ويتحرك العرب ويتخذون موقفا إيجابيا في حق أوطاننا البائسة ، فعندها تزفين البشرى بأنه قد آن الأوان أن يعطي حنظلة وجهَه للعالم ويبتسم ويتفاءل من جديد .. ويرتدي ثوب الأمل والفرح  .. ...

ولكني أقرّ اليوم أنّ ناجي العلي لم يخطئ حينما أدار ظهره للعالم معبّرا عن رفضه التام لما فيه من أحداث جرت في أيامه ، خاصة فلسطين والتهجير والمخيمات والحرب الأهلية اللبنانية والغزو الصهيوني للبنان في العام  82 .. وغيرها .. وقد اخترع ناجي شخصية حنظلة .. هذه الأيقونة التي ظهرت في كل رسوماته الكاريكاتورية لتعبر عن رفضه التام لكل ما يجري حوله من أحداث  تظهر خيباتنا العربية وتسكب الفلفل على جراحاتنا فتزيدها ألما ومرارة ....

حنظلة ذلك الفتى الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره يبدو في رسومات ناجي العلي رافضا لكل شيء حوله .. رافضا للحروب .. رافضاً للتهجير ، للجوء ، للمذابح والآلام والجراح .. رافضا للتخاذل العربي والتنازلات المستمرة .. رافضاً لكل أشكال الظلم وألوانه.....

كم كنت أتمنى أن يبتسم حنظلة للعالم معلنا عودة  فلسطين لنا وانسحاب الصهاينة منها  وهزيمتهم الساحقة .. ومعلنا أيضا انتهاء المآسي العربية والحروب التي أحرقت الأخضر واليابس في أوطاننا وما بقي منها إلا الدّمار .. ولكن للأسَف فقد كبرت جراحنا وتعمّقت وما عاد لها شفاء إلا رحمة تأتينا  من رب العالمين .....!!

بُشراكَ  اليوم  يا حنظلة .. ففي زماننا ضاع ما بقي من فلسطين ، ودخل الصّهاينة الأقصى بكل جُرأة ودنّسوه بنعالهم النجسة وأفعالهم الدنيئة ، بل باتوا  يدخلونه كل يوم مرات ومرات ...

وكثرت الأنفاق تحته دون أن يرفّ رمشٌ لِحكّامنا أو يهتز لهم ضمير ، واغتُصبت القدس الحبيبة ..وتهّوّد كل شيء فيها....!!

في زماننا ضاعت العراق واغْتُصِبَتْ بغدادً وضاعت الأمجاد ونُكِسَت راياتُ النصر والحرية وضاعت دلائل الحضارة وتبعثرت الأوطان وزُيّف التاريخ وكثُرت الحدود والجُدُر وارتدت الخارطة العربية ملامح غربية لا تشبهنا ..

وضاعت أمجاد الجدود وبتنا نباع في سوق النخاسة العالمية ، وبات الغريب هو صاحب الدار وأصبحنا نحن الغرباء في أوطاننا  ....!!

في زماننا تحوّلت شام العزّ والشهامة إلى أشلاء مبعثرة وتحطّم على بواباتها آخر معقل للكرامة العربية وباتت أنهارها كلها حمراء بلون  الدماء ، ولا يسمع فيها إلا صوتُ الرصاص واستغاثات المظلومين وصراخ الحرائر "وامعتصماه" .. ..!!..

وليبيا أصبحت خرابًا ودمارًا ، واليمن السعيد بات تعيسًا حزينًا محتلًا من القريب قبل  الغريب  .. وبقية  أوطاننا على حافة الهاوية ، والحبل على الجرار كما يقولون ...!! ..

في زماننا كثرت الفتن والخلافات واشتعل فتيل الاقتتال بين الإخوة والأشقاء والأصحاب  والجيران ، والربيع ما عاد أخضرَ بل بات داميا أسْوَدَ ،  وباتت الجيوش العربية تحارب شعوبنا العربية ..

ونسوا أن عدونا وعدوهم الأوحد هو ’’ إسرائيل ’’ .. بل باتوا ينفذون إرادة العدو في إبادتنا وسحقنا وتدميرنا ويثبتون أركانه في أوطاننا ’’ على أشلائنا ودمائنا ’’...!! ..

في زماننا كثرت المعتقلات والسجون وبات الكل فينا مسجونا .. أصبحت الكلمة تخنق محاجرنا ومن يقول الحق .. يقولون عنه مجنون ، بات القضاء ظالمًا وسقط  العدل  من الميزان ، والحر بات سجينًا واللصُّ حُرًّا طليقًا .. وغدا المسلم إرهابيًا ، والإرهابي مُسالمًا  شريفًا ...!!

أنا اليوم مثلك حنظلة .. أعلن رفضي لكل شيء حولي ، أرفض المذابح ، أرفض الظلم ،أرفض التهويد ، أرفض القهر والجوع والدماء ، أرفض الحروب بكل أشكالها .. الأهلية  والطائفية والعسكرية والصهيونية والعدوانية .. أرفض الاستسلام والتنازل والرّهان على أوطاننا مقابل حفنة دولارات أو ليلة حمراء مع عاهرة  حمقاء .. أرفض السجون أرفض الاستعباد أرفض الإبعاد ، أرفض اللجوء والتوطين والخيام والمخيمات ، أرفضُ الاستيطان ..والعنصرية والدكتااتورية والتبعية والرجعية .. الخ .. الخ .. ..... وما أكبر قائمتي ..

ماذا أقول وكل ما حولي لا يُطاق ، كل شيء مرفوض ، كل ظلم مرفوض ، كل قهر مرفوض ..

من حقي أن أشارك في تقرير مصيري ، أن يعترف العالم أنني إنسان ، من حقي أن أغضب ، أن أعترض ، أن أعبر عن رأيي دون عنف ودون قمع ودون ضرب واعتقال ....

من حقي أن أناضل دون أن تُدمي يديّ السّلاسل .. من حقي أن أثور ضد الظلم وضد القهر وضدّ الجوع دون أن يُكتَمَ صوتي في الميدان .. ويضيع حقي وبِهِ يُستهان ..

رحمة الله عليك يا ناجي العلي ، كنت بحنظلة خير معبر عن الحال ، لو أنك معنا اليوم لنفذ حبر قلمك وما انتهت قائمة الاعترااض .. وأنا اليوم اعترض وأعلن رفضي لكل ما يجري لأوطاننا من مآسي وخيبات وتنازلات ومفاوضات تصب كلّها في مصلحة أعداء أمتنا ، ومعي كل الشرفاء والضعفاء والمظلومين والمقهورين والبؤساء في هذا العالم العربي الممتد من الوريد إلى الوريد ..

.. فكلنا اليوم حنظلة ..........كلنا اليوم حنظلة ...

واختم مقالي هذا بقصيدة الرائع الراحل محمود درويش ’’ لا  شيء  يعجبني ’’ حيث  يقول :

"لا شيءَ يُعْجبُني"
يقول مسافرٌ في الباصِ – لا الراديو
ولا صُحُفُ الصباح , ولا القلاعُ على التلال .

أُريد أن أبكي/

يقول السائقُ : انتظرِ الوصولَ إلى المحطَّةِ ,
وابْكِ وحدك ما استطعتَ/

تقول سيّدةٌ : أَنا أَيضاً ، أنا لا
شيءَ يُعْجبُني . دَلَلْتُ اُبني على قبري،
فأعْجَبَهُ ونامَ ، ولم يُوَدِّعْني/

يقول الجامعيُّ : ولا أَنا ، لا شيءَ
يعجبني . دَرَسْتُ الأركيولوجيا دون أَن
أَجِدَ الهُوِيَّةَ في  الحجارة . هل أنا
حقاً أَنا؟/

ويقول جنديٌّ : أَنا أَيضاً . أَنا لا
شيءَ يُعْجبُني . أُحاصِرُ دائماً شَبَحاً
يُحاصِرُني/

يقولُ السائقُ العصبيُّ : ها نحن
اقتربنا من محطتنا الأخيرة ، فاستعدوا
للنزول .../

فيصرخون : نريدُ ما بَعْدَ المحطَّةِ،
فانطلق !

أمَّا أنا فأقولُ : أنْزِلْني هنا . أنا
مثلهم لا شيء يعجبني ، ولكني تعبتُ
من السِّفَرْ .

 وما زال لدينا بعض أمل أن تشرق شمس أوطاننا من جديد .. ويزهر الربيع العربي بألوان الفرح والخير .. ويبتسم له .. حنظلة..) ... دمتم  بخير ...)

ناديا دويك / كمال
القدس  الشريف .. 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الخميس, 23 أبريل 2015 18:13
  • حجم الخط