لك يا يرموكُ السلام

  • ناديا دويك كمال
  • الأربعاء, 08 أبريل 2015 22:43
  • نشر في ناديا دويك كمال
  • قراءة 460 مرات

بقلم : ناديا دويك / كمال

سبعة وستون عاما والفلسطيني  يعاني ويعاني من مرارة الحياة وظلم  البشر ، سلبوا أرضه ووطنه  وشردوه في كل مكان  ليصبح  لاجئا يقيم في خيمة أو مخيم ، سبعة وستون عاما مرت على الفلسطيني ملونة بالدماء مرتديةً ثوبَ الشقاء والبؤس والتشريد والضياع والتهجير والقتل والذبح والاعتقال والإبعاد  ووو..............

سبعة وستون عاما حملت ما حملت من أسماء مجازر ومذابح قام بها الصهاينة المحتلون الغاصبون ضد  كل ما هو فلسطيني منها : دير ياسين ، تل الزعتر ، كفر قاسم ، صبرا وشاتيلا ، جنين وغزة وغيرها الكثير ..

 سبعة وستون عاما والفلسطيني يعاني الخذلان والخيبة من ذوي القربى من أهل وجيران وأحباب  وأصحاب ، خيانات ومؤامرات ووُعُودٌ  كاذبة وعهودٌ ومواثيقٌ وقراراتٌ تعفّنت في الأدراج  .. بل  دُفِنَت في  مقبرةِ النّسيان  ..

واليوم  وبعد سبعة وستين عاما لم يتغير شيء بل زاد الظلم والأسى وكَثُرَ الأعداءُ وباتً صديقُ الأمسِ  عدُّوّ اليوم ومساعدًا لعدونا في ظُلمنا وقهرِنا وحِصارنا  حتى  فقدنا الأملَ في الجميعْ .....

ولعلّ ما يجري في سوريا وما يعانيه الفلسطينيون هناك لأكبر دليل على أن الفلسطينيّ بات مرفوضا  في كلّ مكانٍ ومستهدفًا في كلّ زمان ، وخاصة مخيم اليرموك أو عاصمة الشتات الفلسطيني كما يطلق  عليه البعض ، الذي بات سكنا للأشباح والخفافيش التي لم تعد تظهر في الليل فقط بل باتت تظهر علنا  في النهار لتؤازرها كل الكلاب والذئاب ، حتى القرود والخنازير ، والكل  يقتل ويبيد كل من يمر أمامه  ،  لا يشفع أمامهم ضعف شيخ ولا عجز امرأة ولا طفولة بريئة  ...

أكتب هذا المقال وأنا أشعر بحزنٍ ومرارة وألم  كبير وأنا أتابع الأخبار وأرى ما يجري  لأهلنا في  مخيم اليرموك والذي يعاني ومنذ أكثر من سنتين من حصارٍ مجرم ٍ غاشم ليس من  عدونا الصهيوني  بل من ذوي القربى ’’ للأسف  الشديد ’’ ، وأرى أطفاله يموتونَ كل يوم ألف مرة ومرة ، وتستباح  طفولتهم ببرودةٍ وكأنهم دُمىً متَحرَكة تُداسُ بالأقدام  ،  هذه  الطفولة التي هي أنقى ما فينا ، هي البراءة  والطهارة  والجمال ،  وأتساءل  مالذي  ستفعله أم ّفي مكانٍ  محاصرْ  لا  ماءَ  فيهِ  ولا  غذاءَ  ولا  دواءْ  وهي  ترى  فلذةَ  كبْدها  يمُوتُ  جوعًا  وقهرًا  كلّ  يومٍ  لتراقبْهُ  بعينِ  الأسَى والحزن معلنةً  عجزها  التام  عن  مساعدته  فكل  ما  في جعبتها  من  إمكانيات  نفذ ، ولم  يتبق  لها  إلا  لحم  جسدها  المنهك  تسلخ ُ منه  قطعة  قطعة تطعمها  لهم  لتضمن  لهم  بقية  حياة  .. ولكن  إن  فعلت .. فكيف  ستمنع  هذه  المسامير  اللعينة  التي  يحملها  برميل  حاقد  مليءٌ  بالظلم  والوحشية أن تخترق  جسد  طفلها  الصغير  لتمزقه  تمزيقا  وتمزق  معه  كل  ما  بقي  من  إنسانية  وعدالة  ورحمة  في  البشر ؟!  وكيف  ستمنع  رصاصة  قناص  قاتل  من  إصابته ؟! ..  وإن  نجحت  في  إنقاذه  فهل  تستطيع   إنقاذ  نفسها  وطفلها  من  تلك  الجماعات  المتوحشة  التي  جمعت  فيها  كل  معاني  الوحشية  والشراسة  لتحول  كل  الأرض  إلى  غابة  لا  يعيش  فيها   إلا  الأقوياء  ...؟؟!!.

أكثر  من  سنتين واليرموك محاصر  من  الأهل والأقرباء  والجيران  وإخوة  الجرح ، أكثر  من  سنتين  وهو  يعاني  القسوة  والمرارة  والظلم والتجويع  الإجباري ، أطفاله  تموت  ببطء  ، نساؤه  تغتصب  ،  رجاله  إما تٌعتَقلُ أو تُقتَلُ أو تُختَطف  ، ورغم  ذلك  لم  يسقط  اليرموك  بل  بقي  شوكة  في  حلق  كل  من  تآمر  عليه ،  واليوم   ومنذ  حوالي  سبعة  أيام  وبعد  أن  نفذ  صبر  أعدائه  من  سقوطه ،  تدخله  داعش  لتقضي  على  ما  بقي  فيه   من  حياة  ....وماذا  بعد  ؟!  ماذا  بقي  في  جعبتكم  أيها  الحاقدون الظالمون  المتآمرون  ؟!

ان  ما  يجري  في  اليرموك  لهو  مؤامرة  واضحة  المعالم  ضد   الفلسطيني  أينما  كان   ،  هم  يريدون  القضاء  على الوجود  الفلسطيني واسقاط  حق العودة الذي هو المطلب الأول والأساسي  في المطالب الفلسطينية  التي اقرها العالم منذ عام  1948 (حيث اصدر الميثاق العالمي لحقوق الإنسان في 10 ديسمبر 1948 وفي  اليوم  التالي أي 11 ديسمبر 1948 تم  تأكيده بالقرار الشهير رقم 194 من الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يقضي بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض (وليس : أو التعويض) وأصر المجتمع الدولي على تأكيد قرار 194 منذ عام 1948 أكثر من 135 مرة ولم تعارضه إلا (إسرائيل) وبعد اتفاقية أوسلو عارضته أمريكا ) ..

     واليوم  تتسع  بقعة  المؤامرة  ليدخل  فيها الأشقاء وإخوة  الجرح  ليبيدوا  هذا القرار ، ويسقطوا  حق  الفلسطيني  بالعودة  إلى وطنه ،  ويدفنوا  معه الوجود  الفلسطيني  لتنعم  إسرائيل  بدورها  بالأمن  والسلام قي كافة  فلسطين  ...

هم  يعلمون  أن  سقوط  مخيم  اليرموك  سيحقق  لهم  الهدف  ، وسيسقط  حق  العودة  بالتدريج ، ولكن خسئوا وخابت نواياهم ، فلن  يسقط  اليرموك  مهما  فعلوا فهو  كالشجر  شامخ  قوي  الجذور  مهما  قصوا  من  أغصانه  وأوراقه  ، لن  يسقط  مخيم  اليرموك  لأنه  فلسطيني  أصيل والفلسطيني  رضع  الصبر والثبات  والصمود  من  سنين  القهر  والشقاء  التي  عاشها  وتعلم  ألا  يستسلم  مهما  حصل ولا  ينحني  إلا  لخالقه ،  لن  يسقط  اليرموك  وسيبقى  وصمة  عار  على  جبين  الإنسانية  جمعاء ،  ولعنة  تلاحق  الظالمين  وأولهم  الأشقاء  الذين  تخلوا  عن  واجبهم  الوطني  وتنازلوا  عن  حقهم  لأجل  مصالحهم  الرخيصة  ..

ماذا  أكتب  عنك  يا يرموك  وكل  حروفي  ولغات  الكون  تقف  عاجزة  أمام  هول  مأساتك ؟! ماذا  أكتب  وحبر  القلم  ما  عاد  يليق  بحجم  الدماء التي  تسيل  فيك  وعدد  الموتى الذين  قضوا  فيك  جوعا  وقهرا  وظلما  وقتلا  وقنصا  وتعذيبا  ..؟!.

 ماذا أكتب  وأنا أرى  هذا  العالم  الأصم  الأعمى  وقد  بات  كالقردة  الثلاثة  صمٌ  بكمٌ  عُميٌ  أمام  ما  يجري فيك  ،  كل  ما  يفعله  هو  الطبطبة  على  الظالمين  ومد  العون  لهم  وكأن  المظلوم  لا  يستحق  الحياة  ..

أيها  اليرموك  كم  وددت  أن  أُحَمِّلَ  الحمائم لك  بعضًا  منْ  حَبٍّ  وغذاءٍ  لتنثره ُ في  أركانك  لعله  يُسكت  بطون أطفالك  الجائعين  ،  كم وددت ُ لو  أنني  أرسل مع نسماتِ  هذا  الهواء  بعضًا  من  الإنسانيةِ  والمحبةِ  لترشّهُ  عطرًا  في  أرجائك  لعل  الحاقدون  يشُمُّونه  ويتحول  حقدهم  محبة  وتستيقظ  ضمائرهم  الميتة  وتلين  قلوبهم  المتحجرة  ...

أيها  اليرموك  كم  وددت  أن أحَمّلَ الغيوم  والمطر  براميل محملة  بالماء  لا بالمسامير المتفجرة  لكي  تسقي  أرواح أهلك العطشى  وتبث  فيهم  الحياة  من  جديد  ..

أيها  اليرموك  كم  أنا عاجزة  عن  فعل أي  شيء وأعترف بعجزي  الكامل ، أعترف  أنني  لا  أفعل  شيئا  سوى  أنني  اتفرج  مع  المتفرجين  على  مأساتك  وأراقب  من  بعيد  تفاصيل  معاناتك  ،   نعم  نحنُ كلنا عاجزون ، وأنت  أنت  القوي  أيها  اليرموك  ،  قوي  بصبرك  وعزيمتك  وصمودك  ،  قوي  أنت  بكل  ما يلفك من أسى وظلم ، قوي بإيمانك بحقك الذي كلما  اشتد  أنزل  الله  تعالى على  الظالمين  لعنة تحاصرهم  وتفتت  شملهم  وتزلزل  أركانهم ،  قوي  أنت  أيها  اليرموك  ونحن الضعفاء  العاجزين  ......

فصبرا  أيها  اليرموك  صبرا  فإن  بعد  العسر  يسرا  ، ومهما  طال  ليلك واشتد  قيدك  فلا  بد  أن  يُطل  الفجر  ذات  صباح  وتشرق  فيه  شمسك  لتذيب  بنورها  ودفئها  كل  الأحقاد  وتحرق  بحرّها ووهجها  كل  الظالمين  ، والظلم  حتما  زائل  ، والظالمون  حتما  زائلون والله  تعالى  لهم  بالمرصاد   وهو  القائل  سبحانه  مقسما  بالسماء  والأرض  في  سورة  الطارق  :

.. وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)..

صدق  الحق  سبحانه  وهو يمهل  ولا  يهمل ..  فسلام  ألف  سلام  لك  وعليك  أيها  اليرموك  ..

ناديا دويك / كمال
القدس  الشريف

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الأربعاء, 08 أبريل 2015 22:49
  • حجم الخط