ع أيام البشوات !

  • محمود أجمد
  • الأربعاء, 23 مارس 2016 08:58
  • نشر في محمود أحمد
  • قراءة 247 مرات

ع أيام البشوات !

بقلم محمود أحمد 

كانوا يجلسون فى الأماكن الفارهة ، يزورون المنتجعات حيث الطبيعة الخلابة النقية ، يذهبون للصيد ، يلعبون الشطرنج ، ينمّون ذكاءهم بمختلف الطرق المتاحة ، يمارسون الرياضة يرفهون أجسادهم حتي تكاد لا تعرف عمره الحقيقي من كثرة نشاطه ووفر صحته .

كانوا يمتلكون الكثير من المال والأراضي التي ورثوها عن أسرهم وكان يعمل لديهم عامة الشعب من المزارعين والعمّال وكانت الإنجازات حليفا لهم .

كانو لا يحادثون أي أحد فى أي وقت ، وكانت لديهم تقاليد سامية من وجهة نظرهم ، ومحاور حديثهم تتلخص في الأعمال والإنجازات الشخصية سواء كانت السياسية أوالتجارية ، وخاصة القطن والقمح اللذان اشتهرت بهما مصر فى أيامهم أو كما يقولون الذهب الأبيض .

كانوا يعتزّون بذواتهم حتي ظنهّم البشر من ذوي الكبرياء والقسوة أو متسلطين أو أرستقراطيين ........ وأيا ماكان الأمر فليتنا نعامل أنفسنا كما يعامل البشوات أنفسهم ! ، وهذه هي الحقيقة التى نفتقدها فى عالمنا المعاصر .

لقد مضي عصر البشوية وصار البشر سواسية ومن بعدها أصبح المواطنون لدي القانون سواء ، وحتي هذه اللحظة أظن أننا لم نعرف معني المساواة حق المعرفة أو نطبقها كما ينبغي ! ، حتي أن المساواة في الظلم أصبحت عدلا ! .

فهل تعني المساواة فى الحقوق والواجبات والمستمدة من الحكمة الشعبية " كلنا أولاد تسعة " أي بشر برأتنا يد واحدة ، أن نسيئ لأنفسنا أو نتجرأ على بعضنا أو نصبح عديمي الاحترام لبعضنا بل ويصل الأمر إلي احتقار بعضنا بعضا أو ألا" ننزل الناس منازلهم " ، فهل هذا هو تطبيقنا لهذا المفهوم ؟ لقد ساءت أخلاق البشوات !.

لقد وصل الأمر ببشوات عصرنا – فضلا عن تقديم التحية لبعضنا البعض جهارا نهارا بهذا اللقب – أننا لم نعد نهتم بذواتنا بل وننتظر أن يقدّرنا الآخرون وإن لم يفعلوا ذلك فقد نغضب لأننا لم نأخذ حقنا ، وبلاشك هذا أمر جيد يستحق التقدير ، لكنه من ناحية أخرى يعكس مدى افتقادنا للإحساس بذاتنا وقيمتنا بل وانحدار رقيّنا وسمونا كبشر يسعى لأن يصبح مثل البشوات ! .

إن من أعظم الأمراض النفسية العصرية الإحساس بقلّة القيمة وقلّة الحيلة فضلا عن ضَعف الثقة بالنفس والتي هي محاور الشخصية الاساسية للفرد والتي بدونها لن تصبح قادرا على الإنجاز أو حتى العطاء ، وهذا مرض عُضال لا يشفيه طبيب أو دواء ، وشفاؤه الوحيد العلم والعمل ، وليس المقصود بالعمل هنا كسب الرزق بل أقصد " العمل على الذات " أي تنمية وتطوير قدراتنا الذهنية والعضلية .

ولكي نستطيع معالجة هذا المرض النفسيّ علينا بالبحث فيما وراء نشوئه ، وكما تعلمنا من أساتذتنا الخبراء فى مجال التنمية الذاتية ، فإن أول سبب رئيسي لهذا المرض هو " عدم اتباع الصدق " ليس مع الآخرين أيضا ، وإنما مع النفس ! ، وهذا يعني أننا نكذب مع أنفسنا أو عليها فالأمر سواء .

إننا لا نحاور أنفسنا بحوار موضوعي صريح وواضح ، بل نمنّيها الأماني الخادعة ونرتكن إلي الكسل وعدم الأخذ بالأسباب التي أودعها الله فى الكون فى صورة علوم انسانية واجتماعية وفلسفية وفلكية وجغرافية ... ولماذا أودعها الله فى هذا الثوب ؟ وفي كل يوم يكتشف الخبراء والعلماء المزيد منها ، وكل ذلك من أجل هدف واحد " وقل اعملوا " ، إنه العمل ! .

فالعمل والإنتاج لايبدأ من التعامل مع الآخرين ، بل هذا التعامل مع الآخرين إنما هو نتاج أو أثر ونتيجة لتعاملنا مع ذواتنا ، بل وعلاقتنا بالآخرين ، هو نتاج علاقة الأفكار التي تدور بخلجاتنا ببعضها البعض وحدث ما يسمي بالنتيجة ، فليس هناك صدفة أو ضربة حظ ، فنحن من وضعنا أنفسنا في أقدارنا ، ونحن من اخترنا هذا القدر ، " وما ربّك بظلام للعبيد " !

إن من أشهر المبادئ فى مجال التنمية الذاتية والتي تجعلنا مدركين لذواتنا وأفكارنا وظروفنا وأحوالنا بشكل أعمق هو مبدأ أو قانون " السبب والنتيجة " ، وهذا القانون ينص أن " أفكارنا هي سبب ظروفنا " ، إذن بناء عليه إذا تغيرت أفكارنا فبالتأكيد تغيرت ظروفنا ، والدليل على ذلك أننا عندما يزداد عمرنا ونكبر تبدأ عقولنا فى النضوج ويبدأ سلوكنا فى التغير وهكذا تتطور أفعالنا وسلوكنا ، بل ويختصر البعض منا هذا الوقت فيأخذ الحكمة من أفواه الخبراء أو الحكماء لينال أقصى قدر ممكن من الخبرة الإنسانية ، فيصبح الشاب منا خبيرا وقد يكون في ريعان شبابه أو مقتبل عمره ، هذا أمر ممكن وتشهد العصور القديمة والحديثة على أشخاص قدموا الكثير في ريعان شبابهم ، حتي أن بعضهم رحل في شبابه تاركا ميراثا ذاخرا للبشرية ومنهم من ينتظر تقديم المزيد ومابدّلوا تبديلا ، فأهل العلم على عهدهم بالعلم ، لا يرضون بغيره طريقا أو بديلا لرسالتهم في الحياة .

إن أحساسنا بقلّة القيمة أو أن الآخرين أفضل حالا منا أو حتى الشعور بالاضطهاد يعكس أمرين أولهما أننا نقارن أنفسنا بالآخرين وأن وجه المقارنة هنا ليس له أساس من الصحة ، فعلي أي أساس تقارن نفسك بأخيك ؟ هل علي أساس الاختلاف بينك وبينه فى القدرات والمهارات ، فليكن ذلك ، ألم تعلم بأن هناك من هو أفضل من أخيك أيضا ؟ هل تعلم بأن هناك أشياء قد يمكنك أن تفعلها ببساطة في حين أن أخاك هذا قد يستعصي عليه الأمر ؟ ، ألم تسمع عن عباقرة وعظماء اتهموا في قدراتهم العقلية وتم الحكم عليهم بأنهم فاشلون ؟ ثم ثابروا واستمروا في حالهم إلي أن أصبحوا قدوة حسنة للإنسانية ، فعلي أي أساس حكم عليهم البشر ؟ ووفقا لأي معايير ؟ ومن أين أتوا بهذه المقاييس المزيفة التي ثبت وهمها وكذبها ، وثانيهما : لماذا نضع أنفسنا فى مقارنة مع أشخاص في أشياء نفتقدها ! ، أليس من المفترض أننا نكمل بعضنا البعض وأن العلم كله لا يمتلكه إنسان ، إذن فأنت تعرف جزءًا من العلم وأخوك يعلم الجزء الآخر فلتتفقا على ذلك أو تختلفا ولكن ذلك لا يعني أن أيكما أفضل من الآخر .

إن الأمر ليس له علاقة بالآخرين ، بل له علاقة بك أنت ، وهنا أصدر لك أمرا بأن تضع يدك على صدرك وتردد تلك العبارة " أنا مسئول عن ذاتي وإنجازاتي وظروفي وقراراتي ، أنا أؤمن بقدرتي على النجاح ، وأيضا أؤمن بأنني أستطيع أن أنجح مهما كانت الظروف " ، هل أحسست بنبض قلبك ؟ هل شعرت بتلك الرجفة التي انتابت جسدك وصدرك من وقع تأثير هذا التصريح ؟ ، هذا هو القصد .

إن أكبر عائق فى حياتنا أننا تربينا على قيم وأخلاق وأفكار ومعتقدات بعضها كانت له ظروفه وبعضها الآخر كانت تخص زمن مضي ، والقليل منها من حالفه الصدق وإن كانت نسبة الصدق فيه ليست تامة ، فكل بشر يفسّر الحياة من وجهة نظره وخبراته وعمره ومعايشته لأحداثها ، غير أننا قمنا بتبنّي أفكارا ليست أفكارنا في الأساس وإنما هي خبرات أشخاص آخرين أقنعونا بصدقها وسرعة مفعولها ، وتناسينا المبدأ القائل " كل عِلمٍ بشريّ يؤخذ منه ويُرد " ، فالعلوم والخبرات التي اكتشفها بشر قابلة للتحديث والتطوير وكم من نظريات تبدلت وثبت عكسها وهكذا الحلقة لا تنتهي ، فخذ من خبرات البشر ما يناسب ثوبك وماتستطيع أن تستوعبه وعلى قدر عقلك ، وكُن محللا ومناظرا واترك مجالا للشك ولو واحد بالمائة ، ولا تتسرع بالحكم على معتقد أو نظرية فقد يكون فيها حكمة بمقدار شعرة فقد تخسرها جملة وتفصيلا لمجرد رفضك لها .

يقولون إن التوحد مرض نفسي ، والعجيب أننا شبه متوحدون من كثرة التأثير الواقع علينا من معتقدات قمنا بتبنيها في عقولنا حتي بسطت تأثيرها علينا وأصبحنا لا نعي بأنها زائفة ، إلا حالما تحدث صدمة تفيقنا من غفلة هذا المعتقد لنكتشف أننا ضيعنا عمرا ومجهودا في اتجاه قد لا يكون صائبا ، وهذه من فوائد التحديات ، أنها تقوم بدور " المعصرة " ، فهي تقوم بعصر عقولنا حتي نقف على حقيقة أنفسنا ولكي نتخلص أيضا من أفكار عفا عليها الزمان ولا تصلح لهذا الزمن الذي يتبدل ويتغير كل يوم وكل ساعة ولكي تصفّي ذهنك وترخيه ليصبح فيه متسع لقبول ومعالجة أي أفكار جديدة ليستطيع مواكبة الزمن ، لتشعرنا بأعمارنا الحقيقية والتي ينبغي أن يكون عقلنا ناضجا على قدرها ، وتحقيق الإنجازات رهين بمتغيرات الزمن ، فالإدراك هنا يمنحك المرونة .

كانت هذه خطوة عملية من خطوات تنمية وتطوير الذات ، وتعتبر من أول الدروس التي يتعلمها أي مبتدئ في هذا المجال ، استطعنا أن نجمل فيها قدر المستطاع ماينبغي علينا فعله ، وما ينبغي تركه ، وماينبغي الوقوف عنده والنظر والتأمل ، وكل ذلك في النهاية سوف يصبّ في قالب شخصيتنا ، سواء أصبحنا أكثر ثقة بأنفسنا أو تقديرا لذاتنا ، وأكثر وعيا بالأفكار المسيطرة علينا ، وحتي نعرف رسالتنا في الحياة ونسلك الطريق إليها مركزّين قدراتنا وإمكاناتنا وقوانا في اتجاه هدف محدد ، فيكون تأثيرنا أقوى وخطانا نحو الإنجازات أسرع ، وخواطرنا في قلوب البشر أوقع أثرا .

فثق في نفسك وكن مؤمنا بقدرتك على العطاء واعرف هدفك جيدا واتخذ قرارا بالتصويب عليه ، سوف تجد أن الكون والأقدار قد تهيأت من حيث لا تحتسب لدعمك والوقوف بجانبك ، ولكم خالص الشكر ,,,

قيم الموضوع
(0 أصوات)