إشارة قرآنية لأولي الأبصار !

  • محمود أجمد
  • الإثنين, 07 مارس 2016 17:40
  • نشر في محمود أحمد
  • قراءة 344 مرات

بقلم : محمود أحمد

لقد وردت الكثير من الإشارات في القرآن الكريم إلى نظريات علمية أثبتها العلم فيما بعد ، ومع التقدم التكنولوجي والمعرفي بدأت تظهر تطبيقات عملية للاستفادة من هذه النظريات ، وفي مقالنا هذا بإذن الله سوف نتناول إحدى هذه النظريات والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بحديثنا عن مجال التنمية الذاتية والذي هو أحد فروع علم النفس الذي يهتم بالسلوك ، ولعل أحدث فروع هذا العلم والذي بدأ وميضه يتلالأ علم يدعى " علم نفس الأمراض " وتعتبر أشهر جمعية علمية عالمية فى هذا المجال هي " جمعية الميتاهيلث العالمية " .

وهذا النوع من العلوم يعتمد في تفسيراته وتشخيصه للأمراض على سلوك النفس البشرية ومعتقداتها وعلاقة هذه المعتقدات بالأعراض التي تظهر علي الجسد , والتي تعتبر وسيلة لتشخيص المرض ، والجسد هو الذي يقوم بمهمة تنفيذ هذا السلوك الناتج عن هذه المعتقدات وتحويله إلى فعل ملموس يراه الناس ، ولعل من أشهر وأهم المبادئ المعتمدة في هذا العلم هو" مبدأ الذكاء المطلق للعقل البشري " وهذا المبدأ يؤكد لنا صدق إشارات أجسادنا وأن هذا الجسد واع بكل تفاصيله وعلى دراية تامة بكل ما يدور حوله من متغيرات قد لا ندركها بعقلنا الواعي المحدود , إذ أن الجسد يحركه اللاوعي وليس الوعي وبذلك صدقت علوم مثل علوم لغة الجسد والتي تدرس تأثير الأفكار على إشارات الجسد وكذلك انعكاس حركات وإشارات الجسد على الأفكار والمعتقدات أيضا .

غير أننا في حديثنا في هذا المقال سوف نأخذ بعدا آخر وهو علاقة الأعراض المرضية بالمعتقدات والأفكار ، وكلنا يعلم أن المعتقدات هي المحرك الأساسي لسلوك النفس البشرية ، وذلك السلوك يظهر صداه علي الجسد المكلف بتنفيذ مايمليه العقل ، لذلك سوف أصطحبكم فى رحلة وجيزة في بحار آية من آيات الله لنتعرف على بعض الدلالات والإشارات التي وردت في محكم التنزيل لتخبرنا بأن خالقنا واحد وكل ما يكتشفه الانسان في نهايته ماهو إلا ليزداد يقينا وإيمانا ليعبد خالقه حق العبادة .

وصحيح أن الحاجة هي أمّ البحث والاختراع , وكل أزمة أو احتياج إنساني يصاحبه اكتشاف نظرية جديدة , وكل شئ يتنزل بقدر معلوم , ورحلتنا هنا حول الآية الكريمة 58 من سورة النحل حيث قوله تعالى : " وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم " ، والمتأمل هنا يتعجب لماذا يسودّ وجهه ؟ يا تري هل هذا تعبير معنوي أو من قبيل التشبيه بهذا اللون أي من هول المصيبة التي حدثت ؟ أم أن لهذا اللون صدي في علوم نفس الأمراض ؟ ،

هذا هو بيت قصيدنا ، فإليك تسلسل هذا المشهد الإلهي البليغ " يتوارى من القوم من سوء ما بُشِّر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب " ، إذن ها نحن عرفنا سبب استخدام هذا التشبيه ، إنه التواري من أعين الناس والهروب من مواجهتهم بهذه الحادثة التي يراها مهينة ومخزية ومشينة على حد اعتقاده بالنسبة لثقافته ، إذن فالتساؤل , وماعلاقة الهروب بسواد الوجه , ولماذا الوجه بالتحديد ؟ هذا هو ما أشار إليه وأكده علم نفس الأمراض .

إنه لا مجال للشك بأن مرض النفس ينعكس علي الجسد فيصيبه بالمرض ، لذلك أشار علم نفس الأمراض المعروف بـ " علم الميتاهيلث " إلى هذه الحقيقة .

فمن المعروف في علم الأحياء أن الجلد يسودّ إذا ما واجه الشمس لفترة من الزمن ، لكن الآية الكريمة لم تذكر الشمس لا من قريب أو بعيد فى هذا الأمر , ورغم ذلك اسودّ وجه الرجل ، إذن فما الموضوع ؟

إن الدلالات النفسية هي اللغز وراء هذا التشبيه ، فإذا ما تحدثنا عن بيولوجيا الجسد في التعامل مع العوامل البيئية الخارجية سوف ندرك بوضوح أن أجسادنا أو بمعنى أكثر دقة عقولنا الباطنة اللاواعية مطلقة الذكاء بحيث تتعامل من تلقاء نفسها مع تلك الظروف والمتغيرات ، فيقوم الجسد فى هذه الحالة بإفراز مادة تسمى " الميلاتونين " وهي التي تجعل الجلد داكنا بهذه الصورة ، ووظيفة هذه المادة هي حماية الجلد ومايتصل به من أعصاب مسئولة عن عملية اللمس والإحساس من التلف ، والسؤال هنا " ما الذي جعل لون الجلد يسودّ ويصبح داكنا وخصوصا الوجه كما لو أن حرارة الشمس لسعته رغم أن الأمر نفساني بالأساس !.

إننا لو تأملنا معنى الآية الكريمة وهذا التفسير العلمي لوجدنا عاملا مشتركا بينهما وهو " قصد الحماية " أي حماية الجلد من التلف , هذا من الناحية البيولوجية ، أما أنه وفقا للأبحاث العلمية في مجال " علم الميتاهيلث " فإن اسوداد الطبقة الجلدية الخارجية للجسد يتم تفسيرها على أنها وسيلة حماية نفسية تحمي صاحبها من مواجهة كلام الآخرين وانتقادهم اللاذع , ولكي يتفادي هذا الكلام أو مواجهة الأمر يلجأ إلى التواري والاختباء أو تجنب كلامهم بالاختفاء .

وهذا ما أكده أحد أساتذة وخبراء الميتاهيلث الطبيب المصري الدكتور أحمد الدملاوي ، وبسؤاله أجاب بأن الطبقة الخارجية من الجلد حين تتعرض للشمس فإنها تفرز مادة الميلاتونين لوقاية الجلد من التلف ، إنها عملية تحدث تلقائيا بلاوعي ، والعجيب أنه علي الصعيد النفسي فإن الجلد يسلك هذا النمط ويتحول إلي اللون الداكن إذا ماواجه صغطا من نوع معين , ويظهر هذا علي جلد الوجه بشكل خاص لما للوجه من خصوصية في هذا الأمر , فهو العضو الذي يستخدمه الانسان لملاقاة الآخرين والتحدث إليهم والدفاع عن وجهة نظره وهو مركز الحواس التي تستقبل من العالم الخارجي المعلومات حيث العينين والأذنين وهما من أهم حواس التواصل مع الغير , فإذا ما وجه أحدهم إليك سهام النقد فكأن سهامهم اللفظية أصابت وجهك , هذا فقط في حال أنك تستقبل لومهم ونقدهم على أنه تشويه لصورة وجهك أمام الآخرين والنيل من وجاهتك , لأنه في أحيان أخري قد يحمل آخرون سهام النقد على أنها تقليل من شأنهم وكبرياءهم فيكون صدى ذلك وخيما علي قلوبهم فتحدث الأزمات القلبية .

اذن فاطمئن إذا كنت أحد مسئولي شركة أو منظمة مجتمعية أو حتى حكومية , او تعمل في مجال يفرض عليك مواجهة الجمهور كثيرا في حين أنك لا تعرف ماذا ستقول لهم , أو أن المعلومات غير متوفرة فتضطر لتبرير ذلك بانشغالك في مهام أخري قد لا تكون مهمة من الأساس وإنما هروبا من مواجهة ما لا تملك حيالها ردا , هنا يحدث نوع من الضغط النفسي يسبب حدوث هذه الأعراض الجلدية .

ووجه الطمأنينة هنا أنه ليس له علاج سوي فك الاشتباك النفسي بينك وبين أفكارك , فقد لا يكون لك حاجة بالدواء أو مرطبات البشرة لأنه ببساطة شديدة علاجك في عقلك الباطن المعروف بذكاءه الفائق أو بمعني أدق مطلق الذكاء , فسوف يختفي ذلك السواد تلقائيا ونهائيا مادمت تعالج هروبك وتصلح بين أفكارك ومعتقداتك وتوائم بين قيمك و مشاعرك لتنتج سلوكا سليما يرضي عنه ضميرك .


كان هذا تفسيرا لحدوث اللون الداكن , وأصوله النفسية الناتجة عن عملية عقلية وتفكير مستمر في أمر ما فيه خشية مواجهة الآخرين فيلجأ إلي الهروب ، والجلد يسودّ بحسب شدة ووطأة الأزمة التي يتعرض لها صاحبه حتي يصل مداه إلي اسوداد الوجه بأكمله وكأنه تعرض للشمس الحارقة ، وهنا في هذه الحالة فإن ذكاء عقلك اللاواعي يعكس هذا المعني علي جسدك تلقائيا فتتكون طبقة داكنة علي الجلد لحمايته ، أي الحماية من كلام الآخرين .

 كانت هذه أحد الأعاجيب والحكم القرآنية البليغة والذي نزل قبل ألف وأربعمئة عام ومازال البشر يستكشفون أعاجيبه ، وماهو قول البشر ، بل قول خالقهم الذي قال في محكمه مخاطبا الكائنات النورانية وهي الملائكة " إني أعلم مالا تعلمون " وأمرهم للسجود لآدم أبو البشر تكريما له , حقا إنني اعتبره تكريما لمخلوق بديع الصنع فائق الدقة ، إنتاج الهي بلا نظير , خلقه ربنا العظيم بقدرته فكيف لا يتم تكريمه ! ، اذن فكيف نري هذا الخالق ، وما ظننا فيه ؟ " وفي أنفسكم أفلا تبصرون " ،.

 وكما يقول الدكتور مصطفي محمود في مؤلفه رأيت الله " كيف نري الله في سجل أفعاله ، وكيف نري أثر يديه علي مخلوقاته وكيف نفض الشفرة السرية التي كتب بها كتاب الأأقدار ... " نعم , هذه بصيرة المؤمن التي يري بها الله , وعدسته التي يراقب بها خالقه ويتدبر ويتأمل بها أثر قدرته وجبروته وعظمته وروعته علي عباده وخلقه , والعظمة هنا أن كل ذلك يحدث ببساطة , فالفاعل خبير لا يشق له غبار ويكأنه قد اعتاد ذلك الفعل من قديم الأزل .. حقا إنه الله !

 وفي ختام هذا القول علينا أن نسأل أنفسنا ، وماذا بعد ذلك ؟ , هنا في هذا المقام الروحي حيث موطن ذكر الله وقدرته المطلقة لا نملك إلا أن نذكر قول العلامة الصوفي النفري حين سأل وأجاب " ..... وماذا بعد ذلك ؟ , يكون مطلوبك هو الله .. وهمك هو الله ، وذكرك هو الله ، ونطقك هو الله ، وفكرك هو الله ... هكذا ندرك العالم الالهي ، ونخرج من العالم ألمادي إلي العالم الغيبي " .

 وامتدادا لحديث هذا العالم الصوفي الجليل , فإني اعتبر أن مدخلنا إلي العالم الغيبي هو بالتأمل في أنفسنا وبديع صنع الله ودقته , لنتعرف علي مدي روعته .

 فهيهات يخلقنا ربنا في هذه الدنيا ويتركنا سدي دون حماية من الملائكة بالليل والنهار وحتي الأجنة في أرحام أمهاتها تجري عليها الحماية ، لأنك أيها الانسان أعظم مخلوق في الكون ، يحبك الله , ومن دلائل حبه سخر لك الكون والكائنات كلها وعقلك وجسدك و كله لتبني وتعمر ، إننا البشر نغفل عن حكمة خلق الله لنا ، إننا نجسد قدرة الله في الارض ، بل نحن آية من آياته وأوصانا إذا نفدت قوتنا أن نطلب منه الحول والقوة , وما من مخلوق جمعت له الدنيا اكثر من الانسان .

 اذن فانشر عطر ربك .. واستخدم نعم ربك .. وأحسن الظن بربك.. واستعن بربك.. وكن عبدا ربانيا إذا قلت يارب أتتك الدنيا بين يديك , "فيادنيا من عبدني فاعبديه ومن عبدكي فاستعبديه " .

 وإن كنت بقولي هذا قد أصبت شيئا من العلم , واحتسبه عند الله علما نافعا , وإن لم يلزم قلبي ما علمت ووعي عقلي بما فهمت فذلك خسران , فإنما يخشي الله من عباده العلماء . وتمنياتي لكم بالصحة والعافية والعلم النافع .

 

قيم الموضوع
(1 تصويت)
  • آخر تعديل على الإثنين, 07 مارس 2016 21:45
  • حجم الخط