ملح وماء ... ووطن

أول الخيبات احتياجنا الشديد للآخرين .. 

بقلم: رتيبة كحلان

وطن على ظهري ...

ليس لي من العمر الكثير ولكنه فجأة يمتد أمام ناظري حتى أخال نفسي عشت حقبة زاخرة بالأحداث المثيرة والتي حركت خارطة العالم وتظل راسخة في كتب التاريخ باعتبارها أحداثا عظيمة، و حين نعيش في مكان ما يصير ذلك المكان وطننا الصغير ثم يمتد ليكبر الوطن ليرتبط تاريخنا الشخصي بتاريخ هذا الوطن.

إن أفضل تاريخ هو الذي نعيشه ونرويه كأننا شهود عيان، وإن وعينا بالحوادث التي تتوالى سواء عايشناها أو شاهدناها على التلفاز أو تكرر الحديث عنها مرتبط في الغالب بالسن التي نكون فيها، وشيئا فشيئا نكبر ليجتمع لدى كل واحد منا قدرا من العمر يعزز وعيه بما يحدث حوله ويكرس بطريقة ما انتماءه للوطن.

الجزائر وطني عشت فيه كل عمري، دون أن أتطلع لما وراء هذه الحدود، ولأنني أكتب لكم وأنا أستمتع بهدوء ليله الآن لا يمكنني ألا أنقل لكم شيئا مما يحدث عندنا، أخيرا انتهت الحملة الانتخابية التي تهدف إلى تجديد أعضاء المجلس الشعبي الوطني، وستختفي قريبا اللافتات التي تحمل الصور الملونة للمترشحين، ستسكت القنوات العمومية والخاصة عن الحديث عنها بعد إعلان النتائج النهائية، ستوزع المقاعد ليتم في وقت لاحق تجديد ما تبقى من هيئات كمجلس الأمة والمجالس الشعبية البلدية .. وهكذا تدور عجلة الوقت ويستسلم الشارع للرتابة والتعود على التكرار .. ثم لا شيء.

إلى الآن عشت الكثير من الأحداث المشابهة: من استفتاءات وانتخابات رئاسية وأخرى تشريعية ومع ذلك لم أتخل عن عادة تأمل كل ما يحدث لأدرك أن مسألة انتخاب الرئيس تبقى أهم عملية انتخاب في الغالب.

ملح وماء .. وأمل ..

في خضم ضجة الانتخابات بالجزائر هناك ضجة إضراب الأسرى في فلسطين واكتفائهم بالماء والملح، ومع توسع حركة الإضراب المفتوح هناك تضامن مكثف معهم ليتوسع تحدي الماء والملح، ربما ليتذوق الجميع شيئا مما يعانيه الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، انتفاضة الأمعاء الخالية هي أقل ما يمكن أن يرد عليه الأسرى على ما يتعرضون له، وقد أثار انتباهي أحد الرسوم التعبيرية حيث جسد أحدهم لوحة بسيطة ولكنها معبرة للغاية: كأس ماء + ملعقة ملح = فلسطين، ومع ارتفاع موجة التضامن معهم ترسخ اليقين أن أمامنا وطن لا يمكن التسليم بانتهاكه، لابد من فعل أي شيء: نموت .. نموت ويحيا الوطن.

بعيدا عن كل الشعارات الجوفاء لابد أن نركز ولو قليلا على هذا الإنسان الكائن العالق بين احداثيات الزمن القاسية، فيتصادف أن تنقضي حياته كلها في حقبة تعرف أحداثا عسيرة على الدوام، أو أن تحكم الجغرافيا قبضته عليه دون أن يتمكن من الإفلات من لعنة الحدود، تضيع الحياة التي من المفروض أن يعيشها لا أن يتأمل شريطها وهو ينسحب بسرعة، وبكثير من الصدق: ربما يحمل كل واحد منا وطنا على ظهره ويمشي .. يحارب .. ينتهي .. يبدأ لكنه لا يمكن أن يحلم بالغد إلا إذا كان به مسا من أمل يبتلع كل أمل.

رتيبة كحلان
الجزائر

قيم الموضوع
(0 أصوات)
المزيد في هذه الفئة : « انعتاق... كلمات لن نسمعها »