انعتاق...

  • رتيبة كحلان
  • الأربعاء, 26 أبريل 2017 15:47
  • نشر في رتيبة كحلان
  • قراءة 182 مرات

....................
ليس من الضروري أن نقول كل شيء..
حبذا لو نصمت قليلا لنتأكد مما نقول..

المقال الثاني: ... انعتاق ...

قليل من الكلام كثير من الحرية:
يبدو أن الحيرة التي تركتها في المقال السابق لا تزال تلازمني .. ولا أعرف فنون الانفلات منها وربما هي ضرورية لمثل المواقف التي تحاصرني..

إن مرد حيرتي هذه المرة هو عالم الافتراض، ولأنني مثلكم أتجول فيه مثلما تتجولون عاجزة عن مقاومة إغراء المطارات الافتراضية والعوالم الخيالية التي تنفتح أمامنا بكبسة زر مهما اختلفت وجهتنا .. ها هو الإنترنت يفتح لنا عوالم المواطن العربي، ذلك الذي كان من المستحيل على جاره أن يظفر ولو خلسة بمعرفة تفاصيل بسيطة عن بيته، فقد صار من الممكن أن نعرف شكل غرفة جلوسه وأبعاد غرفة نومه ومحتوى رفوف خزائنه وأطباق مائدة طعامه، ولنذهب بعيدا لأؤكد لكم بأن حتى التفاصيل الحميمية عن حياته صار من الممكن معرفتها وكل هذا بفضل الإنترنت، ولا أدري هل شجع هذا ظهوره على شاشات التلفزيون ليحكي كل واحد قصته مهما كانت درجة تقبلنا لها .. فهل شجعت الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي بما تحويه من فيديوهات وصور على خروج المواطن العربي من قوقعته، وتخلصه من كل الأسوار التي كان يحمي بها خصوصيته؟ .. سنقول نعم وما يدعم صحة إجابتنا هذه ظهور موجة جديدة من الحصص التلفزيونية التي تستحوذ على نسبة مشاهدة عالية تركز مواضيعها على المسكوت عنه في مجتمعاتنا العربية المحافظة، وعلى إخراج الأسرار من البيوت المقفلة.

المتتبع لمثل هذه الحركية المتصاعدة بالتوازي مع تزايد الحصص التلفزيونية المقتحمة لحياة الفرد العربي بفضول جامح سيقتنع أن الوقت قد تغير كثيرا وأن الفرد العربي بالقدر الذي كان فيه بحاجة ماسة لأن يتكلم ويعبر عن رأيه بالقدر الذي سبب له ذلك شعورا متناميا بحاجته للحرية ومتى كانت الحرية كان التماثل أمرا غير وارد .. فلكل واحد مدى الحرية الخاص به بل دعونا نكون واقعيين أكثر حين نجيب على السؤال التالي:

هل بالامكان الآن إسكات أي فرد ؟ وهو مراسل يعمل بالمجان ينقل أي حدث على المباشر .. مهما كان موضوعه ومهما كان أبطاله ..؟
لم يعد من السهل التحكم في مثل هذا المد الرهيب للتكنولوجيا .. لم يعد من السهل التخلص من تبعيتنا لها .. لم يعد سهلا العيش بعيدا في مكان قصي دون أن تلاحقك مواقع التواصل الاجتماعي والفيديوهات .. وصار بإمكان أية ربة بيت أن تعلمنا بما طبخته وأن ترينا طريقتها في ترتيب خزانتها .. وتنظيف بيتها ومشترياتها .. والغريب أن أبواب الشهرة مفتوحة ودروع تمنح ومعارك طاحنة تقوم وأنا أتفرج على كل هذا، وأستغرب كيف يمكن أن تفقد منازلنا حميميتها؟ المكان الوحيد الذي يمكن أن تترك فيه العنان لحريتك وإذا به يتحول إلى استوديو للبث المباشر..

تخمة:
قد تشبع مجتمعاتنا من مثل هذه الحرية وحين تصل إلى درجة التخمة سيقفل كل واحد بيته وينصرف ليعيش حياته كما ينبغي .. وقد يرفع كل واحد رأسه عن شاشة هاتفه الذكي لينظر إلى ما حوله من حياة .. ويتخلص من تعابير الوجوه الصفراء التي نستعيض بها عن تعابير وجوهنا وكثيرا ما ظننا أنها تترجم مشاعرنا في محاولة لدعم شعار لأحد الفيديوهات الذي يدعو الناس للتخلص ولو قليلا عن الهواتف الذكية والخروج من مواقع التواصل الافتراضية لمواقع التواصل الواقعية حيث الحقيقة، إذ يقول الشعار "ارفع رأسك عن الهاتف فربما تتغير حياتك"..
نهاية من الجميل أن تجد المجتمعات طرقا بسيطة لإيصال رسائلها وللتعبير عن آرائها بعيدا عن الوسائط الرسمية كأنها دعوة لتقاسم رغيف الحرية .. رغيف الحياة .. ربما بذلك نتعايش أكثر ويطفو على السطح أفضل ما فينا.

رتيبة كحلان
الجزائر

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)