كاتب في حيرة

  • رتيبة كحلان
  • الأربعاء, 19 أبريل 2017 00:30
  • نشر في رتيبة كحلان
  • قراءة 211 مرات

............

في الحضور كما في الغياب..
في الحياة كما في الموت..
جسور تُمدّ.. بين أرواح غريبة
يجمعها القدر.. يفرّقها أيضا القدر
لكن هناك دوما شيء ما يترّسب بعدها فاسحا المجال لذكرى جميلة.

المقال الأول: ... كاتب في حيرة...

أصداء من جديد..

بقلم: رتيبة كحلان

ما الذي يمكن أن أعود به إلى "أصداء" التي تعرف كيف تردني إليها بسحر ذاكرتها التي تظل مصرة على الاحتفاظ بي؟ هناك في المدينة البعيدة التي نسمع عنها كثيرا.. يتدفق النيل الأزرق بلا توقف.. وتنتصب الحضارة التي لا تنتهي.. والغريب أنها تشعرني بأن الأذرع البعيدة مشرعة كحضن دافئ لا ينغلق إلا على أسرارنا ونحن نكتب لها.. فأي حديث أبادرك به؟ وأي أسرار سأبوح بها لك هذه المرة؟ ولكن قبلا: تحياتي إليك..

ما الذي يمكن أن أكتبه لمواطن عربي مشغول دائما؟

إنها الأسئلة التي تزعج الكاتب على الدوام.. فمع كل نص يقدمه للقارئ لا بد أنه يقف موقفا لا يحسد عليه، ففي حين ينطلق الكاتب من قناعاته وانتماءاته المتعددة يتلقاه القارئ المشحون بالفضول والمزروع في حقل الحياة زرعا قاسيا لذلك من الصعب الوصول إلى ذلك القارئ بيسر وأمام حتمية التنوع في الكتابة وضرورة الحضور يتجسد أمامنا موقف حقيقي أن كلانا يتقبل الآخر كيفما كان ويتجاوب مع اختلافه الذي يضفى على وعيه نضجا أكثر..

فسامحني أيها القارئ البعيد إن كتبت شيئا لم أذكر فيه مآسيك ولا شغفك بالحياة وقلة حيلتك.. سامحني أيها المتسول الذي مررت به هذا الصباح ولم أستطع أن أشيح بنظري عنك متأملة تفاصيلك كأنني أستعد لرسمك وتغاضيت عن مأساتك وأنا أفكر في السبب الذي جعلك تقبع هنا في مثل هذا البرد، وسامحيني أيتها الأرواح التي هربت من موتها ولم أذهب لأقدم التعازي فيك لأنني توهمت أنك لن تموتي.. سامحيني أيتها الحياة لأنني كنت أظن أنني أستطيع الكثير في حين أن العجز أحيانا يلتهم أحلامنا رويدا رويدا، سامحني أيها القارئ البعيد فأنا لا أستطيع إلا الكتابة قليلا والصمت كثيرا فأحيانا كثيرة يكون الصمت أفضل.. وسامحني أيها الصمت لأنني تعلقت بك كثيرا وانتميت إليك أكثر من اللازم رغم أنك لفظتني مرارا ولم أقتنع بعد أن علي أن أحمل قلمي وأصعد الجبل فالكلمات.. قدرها أن تطرق الأبواب وتعبر الحدود.. ولا تكابر.

وماذا أيضا ؟

من المخجل أن أحدثكم عن الربيع، عن الميموزا وعن عيد ميلاد نزار قباني فأمام أوجاع الآخرين نقف بمهابة ولكن شجرة الميموزا التي تجاورني والمحملة أغصانها باللؤلؤ الأصفر تستحوذ على ذهني، تحملني للبعيد حين يتحدث نزار قباني عن الولادة على سرير أخضر، وها هي الذكرى تعود في وقت عصيب جدا، تغيرت دمشق .. تغيرت الكثير من العواصم العربية .. وربما مات الكثيرون ممن يحبون نزار وشعره..

سامحني نزار لأنني سأقول لك: من حسن حظك أنك غادرت العالم قبل أن يواجهك الزمن بكل هذه البشاعات.. هل تعلم يا نزار أن الزمن قد أثبت أن نبوءة الشعر قد صدقت.. فقد ذبحت محبتهم الغريبة عروق الأوطان النازفة:

هذي دمشق وهذي الكف والراح     إني أحب وبعض الحب ذباح

وإنه الربيع.. وإن سماء دمشق تغزوها الطائرات.. وإنه القصف المتكرر.. فهل سيتيح كل هذا الموت لرحم ما أن يلد شاعرا ما على مشارف الربيع ليحرس تاريخها وذاكرتها والأشياء الجميلة التي لا نراها.. ويزرع فضيلة المحبة؟

رتيبة كحلان
الجزائر

قيم الموضوع
(1 تصويت)
  • آخر تعديل على الأربعاء, 19 أبريل 2017 21:24
  • حجم الخط