أيام الصبر الأولى

  • رتيبة كحلان
  • السبت, 07 مايو 2016 22:33
  • نشر في رتيبة كحلان
  • قراءة 435 مرات

بقلم رتيبة كحلان


الكلمات حين تكون أكبر منا لا داعي لقولها.

اليوم الثالث: أكتبوا للموت .. أكتبوا للحياة

إن وعينا بقيمة الكلمة يجعلنا نخضع لتلك الرقابة الذاتية ونحن نكتب، وكثيرا ما ترافقنا تلك العبارة الثقيلة " انتبه أنت تكتب " وبالكاد نسلم من عادة تكرار قراءة النص قبل أن يرمى به إلى النور، وعلى حد علمي فإن ما نشر أقل بكثير مما لم ينشر ولكل كاتب موانع نشر تبقيه حذرا قبل أن يرسل إبداعه إلى المطبعة.

إن ما نعيشه حاليا يؤثر كثيرا على ما يمكن أن نكتبه أو نقرأه، ويروق لنا كثيرا الاطلاع على تفاعل كتابنا المفضلين مع ما يحدث حولهم، أو ما يشاركونه من ذكريات مع قرائهم أو ما يعلقون به على آخر ما قرؤوه فكأننا بذلك نتضامن سريا ونواجه عجز الحياة المزمن: بالسطر لإيماننا بأننا نضع بذلك إيقاعا مختلفا للحياة.

كثيرا ما يتهم الكاتب بالتحليق بعيدا عن سرب لا بد أن يكون تابعا له، وأنه يطعم أشباح الوهم الضالة، وأنه لا يقدم شيئا سوى الكلام، ولكن إن كان يفعل ذلك حقا فإنه متهم سعيد الحظ فالتهمة ذاتها تتحول إلى خاصية مميزة تجعله يقوم بمهمة نبيلة وهو يكتب.

لا أحد يملي على " المتهم سعيد الحظ " ما عليه أن يكتب، إنه يركض في سهول الواقع ويصطاد أفكاره من دون تردد.

أحترم الكاتب الذي يجلب لذواتنا انفعالات كثيرة في آن واحد، يخترق عوالمنا بكلماته فيترك بصمة " التأثر" الفاخرة، لست هنا بصدد قول كلمة "دفاع" وإنما أترك شهادتي على هامش النص بأننا حتى لو قبلنا استغلال الصور المتلاحقة للمصائب التي تحيط بنا وحتى لو قرأنا الكثير مما يزيد من قابليتنا للتعرض لارتفاع الضغط والهبوط الحاد في الرغبة في الحياة إلا أن الكاتب يمكن أن يكون ملجأ لأنه مثلما يكتب عن الموت يكتب للحياة بطريقته، هو الذي ينهر الكوابيس ويدعونا لأن نفكر بأشياء كثيرة قد لا ننتبه إليها، حتى وهو يواجهنا بمآسي العالم فإنه يجعلنا بذلك ندرك أن القدر الذي مُنِح لنا من الحياة مقدس لدرجة لا توصف، لا أجد مثالا جاهزا أحيلكم عليه لتتأكدوا من ذلك فالكتب التي قرأتها كانت لا تأخذ مني وقتا بل تستقر في ذاتي وتفتح عوالم الدهشة أمامي وتترك تراكما من التجارب التي لا يستهان بها، إنها تترك فكرة ناضجة: بأنها أضافت الجديد وحسب.

حين قرأت ما كتبه نزار قباني "كان ولدي فصار ولدكم" عن موت ابنه توفيق لم يترك خيول الموت تدوس عوالمه لقد تحدث عن كل شيء جميل يمكن أن يحاصر الموت فكأن ذلك الأمير الدمشقي الراحل ذاهب في رحلة إلى القمر، نسيت أن الموت جهّز حقائبه وذهب به باكرا جدا وذلك لأن نزار وهو يلوح بيده له لم يتنازل عن لغته التي كانت دوما: لغة الحياة.

والآن دعوني أهمس في آذانكم:

لمن يكتب: اكتبوا للحياة مثلما تكتبون للموت دائما.

لمن يقرأ: اقرؤوا للحياة .. فأماكن الموت دائما محجوزة.

يتبع ...

رتيبة كحلان
04/05/2016

قيم الموضوع
(0 أصوات)