صخب الهوية وفراغات لم تملأ

  • رتيبة كحلان
  • الخميس, 19 نوفمبر 2015 12:04
  • نشر في رتيبة كحلان
  • قراءة 557 مرات

صخب الهوية وفراغات لم تملأ .. وجوه كثيرة لامرأة واحدة

هكذا قرأت هشاشة الشاعر الأردني علي شنينات وزغب نوارسه

بقلم : رتيبة كحلان

إننا ننتقم من الصمت الباذخ بالكتابة وننتقم من الزمن البخيل بإعمار الذاكرة بالتفاصيل اللصيقة بالفؤاد ليمنحنا هذا العطش للانتقام هوية تنمو باستمرار، وفي الشعر مثل الحب تتراجع مشاعر الحقد تجاه الأنثى أو الرغبة في الانتقام منها لأن ما يُكتب لها يحفظ هويتنا الكبيرة .. ومادبا هي أنثى المطلق التي لا تنجب إلا حرصا منها على نسل يتقن غزل الكلام .. وهل تعرفون مادبا ؟ قطعة من الأردن: الوطن الذي ألغى الحقد من قاموس شاعر لا يرتاح إلا على صدر القصيدة.

قليل من الشعر لوطن كبير هكذا بدت لي عوالم الشاعر الأردني علي شنينات ودفعتني لأجرّكم معي لنقف على هشاشته ونبحث بين زغب نوارسه لنرى كيف انتقم من الزمن وكيف أبقى للهوية تلك النزعة المضطربة التي ترفض تماثلنا.

مهرجان الشعر الكلاسيكي في بسكرة بالجزائر، الذي احتفى بشعر المقاومة وبمحمود درويش رمزا لها، والذي أقيم في شهر مارس الماضي أتاح للكثير من الوجوه الشعرية الوقوف على المنصة ورفع الصوت ليندمج مع الأبيات ذات البصمة الشخصية، حضرت الأردن ممثلة في الشاعر علي شنينات حاملا بين طيات الكلام وبين صفحات دواوينه حديثا آخر يغري بالانصات.

في إصدار أول اختار أن يحمل ديوانه عنوان هشاشة الذي حمل غلافه الصورة المشهورة للرجل الذي يمشي وهي رائعة النحات السويسري جياكوميتي كإيحاء منه إلى إنسان هذا العصر الذي يشقّ طريقه إلى وجهة ما متجاهلا الفراغ المحيط به من كل جانب، الديوان يتكون من عشرة قصائد نثر فتح من خلالها الشاعر المجال للغة لتفصح عن أناه، فنجده غزيرا بالاعترافات .. مجهدا بالتعبيرات التي تجعله يلتصق باللغة .. عاشقا للقصيدة .. منكرا للجسد ورغم كل ما يمكن أن يقال ليس من اليسير فصل الشعر عن الشاعر.

في القصيدة الأولى من ديوان هشاشة "في أول الأربعين" تواجهنا الأنا، تحاصرنا صور مكثفة للشاعر ويجعلنا نرى بعينيه تلك الأنثى/القصيدة، كما في القصائد التي تلتها نجد ذلك الخطاب المتناهي إلى امرأة يغرينا بملامحها .. صوت المتكلم المرتفع يأتي حادا كرغبة في اختصار كل الزمن من أجل الحديث عن الذات/الهوية.

من يقرأ الديوان دفعة واحدة فليتجهز حتى لا تعلق بذهنه وربما بقلبه تلك المرأة ذات الوجوه الكثيرة التي استولت على كيان الشاعر والتي يشتهيها كاملة الوجوه: فهي الطافحة بالمجاز، مربط الحكمة، الفاضلة التي يهددها غيابها، كأنها تخصه وما جاءت العالم إلا لأجله فهي الرقيقة بحجم الورد والعميقة جدا كالقصيدة والتي تبقيه على ظمأ.

طغيان المرأة على شعر علي شنينات لم يمنعه من الاستعانة بها كوسيط بينه وبين اللغة، مما يؤكد لنا أنها المرأة التي تقرؤه وفي طغيانها هذا نجده يؤرجحها بين ضميرين: الغائب والمخاطب .. وفي كلتا الحالتين يضمر الحديث عن نفسه، فنجد أنفسنا أمام نفي تام للجسد ومحاولات متكررة لحرمان الهوية من تعلقها الأبدي بالجسد، الجسد ليس هو الهوية لتتصاعد صراعاته معها في قصيدة "طين رخو".

قصيدة النثر إذا هي متكأه ورغم تكاثره باللغة نجده في قصيدة "الساعة ملأى بالموتى" تائها بين فجائع الراهن كأننا به يوثق للمآسي، لكل الموتى المتساقطين وأننا كلنا موتى نحمل على تابوت بين الحزن والحزن أي: لا مفر من الواقع الصادم.

ينتقل بنا هذا الشاعر بين عدة صور في القصيدة الواحدة مما يجعلنا أحيانا نضيع بين خيوطها المتشابكة التي من المفروض أن تحافظ على شدة المنبع، نجد نفحات درويش طاغية في خطابه غير المتكلف للمرأة كأني به يراقب عن كثب فلسفة النحات جيوكاميتي الذي قال مرة "لا أتخيل أنني يمكن أن أنحت امرأة إلا وهي في وضع سكون، الرجل هو الذي يمشي ويخطو، المرأة ساكنة والرجل هو الذي يمشي دائما" هكذا تحرك حول المرأة كثيرا وما تعب. وينقصنا الخيط الزمني لنعلم كم استهلك من الوقت ليستقر بقصائد هشاشة، ففي الإصدار الأول غالبا ما يخضع المؤلف لسطور ماضية تمهد له.

يأتي الديوان الثاني "زغب النوارس" ليبدو الشاعر متشبثا بالرمزية، لينقل بها وجع الواقع حيث المآسي لا تهادن: إنّ به حزن الرغيف، الرغبة في الهجرة، الضجر من الحياة، عواء الأحلام، والخرائط المشظاة على الرمل، تضيق الأرض على البؤساء، وينفرد بهم العجز، كما يبدو في قصيدته "هكذا قلنا للخيول".

لا يشبه الشاعر إلا نفسه، وحتى لو ضيّع بعضه فإن في الشعر الخلاص، إننا حين نقول نعثر على أنفسنا، لكننا حين نقرؤك أيها الشاعر تهاجمنا الأسئلة: هل نفهمك كما ينبغي ؟ هل تكفينا قصيدة واحدة لنراك جيدا ؟ اللغة لا تتراجع، تحمل لك الفرش وأنت تتحدث بلسان الرسام الذي يدافع عن لوحته، عن ألوانه، لينتابنا صخب الهوية من جديد والذي لا تفتأ تجرّنا إليه: أنا هكذا أرى نفسي، أقتات بالشعر، بوجه التي ترمقني من بعيد فتهتزّ ضلوع القول وتنبت القصيدة إنها كما قال: هي لا تمل من التسكع في دمي، ولا يشبه الشاعر إلا نفسه لأنه لا يولد إلا من رحم معاناة ما تثير فيه نزعة القول على منوال غير مألوف، إنه تنهد القصيدة، البحث عن الانتباه في زمن اللااهتمام بالآخر حتى لا نترك لفظة اللامبالاة الجارحة في أول السطر.

ربط الشاعر علي شنينات بين الإصدارين بقصيدة واحدة نجدها في هشاشة بعنوان "تغفو على ذيل القصيدة" ونجدها في ديوان زغب النوارس تحمل عنوان "الغريبة وهذا سرها" وفي كلتا الحالتين ناسبها العنوانين كأن هذا الحبل السري الخفي يجب أن يكون شفافا نشعر به دون أن نلمسه.

إنها قصيدته المتماسكة في كل حالاتها: (قصيرة كانت أو طويلة) تلقي آلاف المعاني رغم الكلمات المختلفة: إنه قلق الشاعر، توتر العاشق، وامتزاجه بالكل لنقل الصور الداخلية ومزجها بالخطاب الموجه للآخر، إنه الشاعر في كل حالاته والباحث دوما عن أنثى/قصيدة كاملة متعددة الوجوه تفك طلاسم العمر على جبينه ولا تخونه .. يقفل الشاعر ديوانه هذا بـ"خذلان" كأن طبول الحرب التي تقرع غير بعيد عنه تفقده شهيته للأمل ويتسرب إليه الشعور بالعجز فيلبس وجه الغياب.

رتيبة كحلان/ الجزائر

قيم الموضوع
(0 أصوات)