الفايسبوك يسألك : بما تفكر ؟

  • رتيبة كحلان
  • الخميس, 18 يونيو 2015 10:46
  • نشر في رتيبة كحلان
  • قراءة 460 مرات

بقلم رتيبة كحلان

أتوق لتلك اللحظة التي أختلي فيها بهذا المسمى حائطا دون أن أصطدم بعبارة : بما تفكر ؟
.. لا أفكر بشيء :

فالسماء صافية زرقاء .. لا أثر للحر وها هو الصيف يقبل الهوينى .. دون أن يكرر عاداته في اختزال الربيع .. والطريق معبد .. فارغ .. لا أثر للازدحام فيه .. لا قيادة مسرعة .. لا أثر للحوادث المميتة .... لا أثر لشرطي المرور في أية زاوية ذلك أن السائقين يراقيبون أنفسهم دون حاجة لمن يراقبهم .. الرصيف عريض مريح للمشاة الأصحاء منهم والمعاقين ..

شوارعنا نظيفة جدا .. لا أثر للقمامة المبعثرة .. ولا للكلاب الضالة .. ولا للقطط الشاردة .. لا أثر حتى للمتسولين .. والهدوء يعم المكان .. فلا أثر للصراخ ولا للشجار ولا حتى للحمام النائح

لا أطفال في شوارعنا رغم أنهم في عطلة لأن في مدينتنا الكثير من الحدائق التي تزيد عن حاجاتنا ..
لا متقاعدين يغتالون الوقت في انتظار الموت ..

والأسواق تستجدي الزبائن مع أن رمضان على الأبواب ..

لا أثر للبعوض الذي يطارد رؤوسنا المستسلمة لوسائد ناعمة .. لضمير خال..

لا قلق من "غد" ولا عار "ماض" يطاردنا ..

لا دوام كامل لعياداتنا .. إنها تقفل باكرا .. فلا أثر للمرضى .. والأطباء ينضحون إنسانية ..

ونحن بلغنا من التحضر ما يجعلنا نفهم بعضنا بالإيماءات البسيطة من دون إزعاج الآذان والحناجر برفع الصوت ..

لا نستورد الأسلحة لنقتل بعضنا .. فالجميع مسالم .. لا سموم في الفضاء تتربص بالفضيلة ..

كلنا أحرار .. كل أوطاننا من شدة التحرر تفكر قريبا في إلغاء أعياد الاستقلال ..

والكل يقرأ ويكتب .. ويناقش .. والأجيال منسجمة مع بعضها البعض .. لا أثر لما يسمى انفصام المجتمع ..

والمرأة إذا ما خرجت عادت سالمة .. غانمة .. لا تركض خلف الموضة .. ولا تفجع العيون بألوان شاذة .. دائمة الانشغال بأجيال تربيها  للوطن..

والعالم في سلام وأمن .. والغرب يهابنا .. لا يجرأ على تصويب فوهة سلاحه إلينا .. صدورنا وظهورنا محمية .. ووسائل إعلامنا تنقل لنا كل الحقائق أول بأول .. لا أثر للتدليس .. وكلها تحمل رسائلا هادفة .. لا أثر للمياعة .. لااستخفاف بالمتلقي ..

والبشر لا يغيرون جنسهم "كلّ" راض عن خلقته حتى ولو كان عزّ الشباب فما أدراك لو بلغ الستين ؟.. لا شهرة مكلفة و لا حاجة لجسد آخر تعلق عليه خزانة ملابس جديدة ..

وكلنا إذا ما اجتمعنا على مواقع التواصل الاجتماعي .. نتبادل الأفكار والكتب والأخبار ولا نشتم بعضنا ولا نشوه عقائدنا .. ويبلغ بنا احترامنا لبعضنا البعض أن نتقاذف عبارات التقدير .. لا أثر للمعارك العنيفة الصاخبة .. لا أثر للأقنعة .. فنحن لا نعترف بالهالوين ..

يسألك الفايسبوك : بما تفكر ؟

كأنه لا يعلم أنك مواطن بائس .. تحاول أن تحافظ على لقمة العيش .. تحاول أن تحافظ على حياتك .. على أولادك .. على وطنك .. على ثوراتك الصغيرة والكبيرة ..

أليست العبارة مغروسة عن قصد كوتد يفرض نفسه في مجال رؤيتك فلنشبهه بمسمار جحا إذا ..

العبارة تشجعنا على ألا نفكر .. وأن نسأم من كل محاولة للانغماس ولو قليلا في عالم نحبه كأن نجعل الحيطان الافتراضية حدائقا لزهورنا ومشاتلا لمشاعرنا ومكانا لألبومات صورنا .. ونحولها إلى حيطان حقيقية تسندنا في كل حالات الجزع التي تتربص بنا متى ضعفنا وتهاوت ملامحنا الحقيقية ..

لا أفكر بشيء : وأريد من "مارك"* أن يرفع سوطه (بما تفكر) عنا فلا أظننا قادرين على تحمل الجلْد المتكرر فماذا سيتبقى منا إذا ما اقتلع عنا لامبالاتنا ؟ .. وانغماسنا في حالات اللاوعي ؟ .. لا أفكر بشيء .. وليس لدي ذلك الاستعداد المستمر لأطلعك يا "مارك" على دواخلي .. فكف دورية التجسس خاصتك .. إنا هاهنا ماكثون .. إلى أن تخترع حماقة أخرى تفك بها عقدنا القديمة وتركّب لنا عقدا جديدة ..

* مارك زوكربيرغ : مؤسس موقع الفايسبوك الاجتماعي


رتيبة كحلان
17 جوان 2015
الساعة: 00:40

قيم الموضوع
(0 أصوات)