طه حسين الغائب الحاضر (2)

  • د. لبنى عبد الرحيم إمبابي
  • الأربعاء, 10 يناير 2018 08:25
  • نشر في د. لبنى عبد الرحيم
  • قراءة 99 مرات

تحدثنا بالمقال السابق عن رحلة طه حسين فى التعليم وكيف أنه بدأ بالكُتاب والدراسة الدينية، ودرس العلوم العصرية، والحضارة الإسلامية، والتاريخ والجغرافيا، وعددًا من اللغات الشرقية كالحبشية والعبرية والسريانية، وانتهى بمزيد من دراسة العلوم العصرية بفرنسا وكان يحلم أن يتعلم الشباب جميعهم مجانًا مثله، وسنتناول فى هذه المقالة الفلسفة وراء فكر طه حسين للدفاع عن مجانية التعليم .

رأى طه حسين عقب توقيع المعاهدة مع بريطانيا عام 1936 إن أول إصلاح يجب إدخاله فى الأمة المصرية هو جعل التجنيد والتعليم إجباريين لأنه كما قال "ليست حاجة الشعب للتعليم الصالح بأقل من حاجته إلى الدفاع المتين" ولأنه "كما أن لأبناء مصر جميعا على الدولة الحق فى أن تحميهم من العدو الداخلى أو الخارجى فإن لهم عليها الحق فى أن تحميهم لا من الأمية وحدها بل من الأمية والجهل ومن الثقافة الناقصة، ولهم عليها الحق فى أن تمكنهم من إصلاح شؤونهم وترقية حياتهم مهما يكلفها ذلك من الجهد والعناء.

وانطلاقا من هذا فهو يرى أن التعليم حق للناس جميعا مهما تكن طبقاتهم وأن من واجب الدولة أن تكفل المساواة للناس جميعا فى التعليم، وأن تيسره لأبناء الطبقة الفقيرة مثلما يتيسر لأبناء الطبقة الغنية؛ لأن "من حق الفقراء أن يتعلموا، ومن حقهم أن يطمعوا فى أكثر مما يعطيهم التعليم الأولى، ومن حقهم أن يطمحوا إلى التعليم العام والتعليم العالى".

ولتيسير التعليم باعتباره حقا للناس جميعًا فقد قامت فلسفة طه حسين فى التعليم على المجانية فى المقام الأول تطبيقا لمبدأ الديمقراطية والمساواة بعد أن نالت مصر استقلالها بتوقيع معاهد 1936 ولمسايرة الديمقراطيات الحديثة التى "أحست إحساسًا قويا حق الفقراء فى التعليم فجعلت أجره يسرًا جدًا ثم مضت فى تيسيره قدما حتى أباحته للناس جميعًا بغير أجر"وأشار فى هذا إلى فرنسا" التى جعلت تعميم المجانية فى التعليم العام حتى فتحت أبوابه لجميع الذين فتحت لهم أبواب التعليم الأولى".

وحتى تحقق المجانية أهدافها ولنشر التعليم بين الناس جميعا ومواجهة إقبالهم عليه تحقيقا لمبدأ الديمقراطية رأى طه حسين ضرورة "حماية المدارس والمعاهد من الازدحام الشنيع الذى يفسد التعليم إفسادًا لابد أن تدبر الدولة ما يحتاج إليه ذلك من المال كما تدبر ما يحتاج إليه الدفاع من المال" وذلك بأن "تنشئ الدولة من المدارس والمعاهد ما يمكنها من قبول الصبية والشبان كلما تقدموا إليها، ليس يرضينا أن يكون فى هذه المدرسة ألف من التلاميذ على حين أنها لا تستطيع أن تعلم تعليمًا صالحًا إلا نصف الألف"، وإلى جانب أن إنشاء المدارس كان مطلبا أساسيًا عند طه حسين لتطبيق مجانية التعليم ونشره دون تفرقة وحتى يضمن عدم ازدحام الفصول بالتلاميذ فإنه طالب بأن يتمتع جميع التلاميذ بالمجانية ورفض "أن تترك المجانية فوضى وأن يقبل المعسرين بغير نظام وأن يكتفى فى قبولهم بشهادة هذا وتزكية ذاك وتوسط هذا العظيم ورجاء ذلك الكبير واستنكر "أن يباح التعليم للناس جميعا فى القانون ثم تخلق المصاعب العملية أمام الفقراء والمعدمين لتضطرهم إلى الاكتفاء بالتعليم الآولى وتفرض عليهم الجهل وقد كانوا يستطيعون أن يتعلموا.

ما حدث فعلا بعد تقرير مجانية التعليم الابتدائى عام 1944 هو أن تحايلت حكومات الأقلية التى تولت الحكم بعد إقالة حكومة الوفد عام 1944 لتفريغ المجانية من مضمونها بفرض رسوم مدرسية وأثمان كتب وتغذية تعادل قيمة المصروفات المدرسية التى كان يدفعها التلاميذ مما جعل الكثير من أولياء الأمور يعجزون عن سدادها وفى هذا يقول طه حسين – عندما كان وزيرًا للمعارف – فى جلسة مجلس النواب يوم 30 يناير عام 1950 "الذين جاءوا بعد نجيب الهلالى باشا فى وزارة المعارف هموا بالمجانية التى أقرها الوفد.. وداروا حولها كما يدور الجند حول القلعة الحصينة يريدون أن ينفذوا إليها من كل منفذ ممكن، وأنتم تعرفون أن ما يأخذه الشعب لا سبيل إلى استرداده فلم يستطيع أحد أن يقول لابد من إلغاء المجانية ولكنهم استطاعوا أن يدبروا أمرهم تدبيرًا محكمًا فارتفعت أثمان الأدوات والكتب وارتفع ثمن الطعام فجأة وطولب التلاميذ بنفقات لهذه الأشياء، ألغت ما قرره نجيب الهلالى باشا وحكومة الوفد من المجانية إلغاء فعليًا وإن لم يلغ على الورق واشتد الضغط واشتد اللوم واشتدت الشكوى".

مما سبق يتضح أن طه حسين كان يرى أن التعليم حق للناس جميعًا وأن على الدولة أن تيسره لهم بلا تكلفة لأنه مقدم على كل شئ اللهم إلا المسألة الكبرى التى كانت تشغل مصر – آنذاك – وهى قضية الاستقلال؛ ولذلك طالب بالاهتمام بنشر التعليم دون عائق، وبين الأهداف التى يرى أن التعليم وتطبيق مجانيته يمكن أن تحققها وهى: محو أمية المصريين ، وإعداد وتكوين شعب واع بواجباته قبل حقوقه وذلك لأن التعليم يعتبر "ضرورة من ضرورات الحياة فى أى أمة متحضرة" فيضمن للمصريين العدل والمساواة فيما بينهم وبين أنفسهم والعزة والكرامة فيما بينهم وبين الأجنبى "هذا" وإذ تعلم أبناء الشعب عرفوا ما لهم من حق فى حياتهم الداخلية فلم يسمحوا لقلة مهما تكن أن تظلم الكثرة، وعرفوا ما لهم من حق فى حياتهم الخارجية فلم يسمحوا بدولة مهما تكن أن تظلم مصر أو تذلها".. هذا إلى جانب أن الشعب سوف يكون واعيا "بالتضامن الإنسانى والتضامن الاجتماعى، يقدر الاستقلال حق قدره ويفهمه على وجهه الصحيح ويتخذ من السبل والوسائل ما يتيح له حمايته من عبث العابثين وإفساد المفسدين سواء كانوا أجانب أم مصريين، وكذلك إرساء الحرية على دعائم صحيحة لأن الحرية فى رأيه "لا تستقيم مع الجهل ولا تعايش الغفلة والغباء" ومن هنا فإن التعليم عنده "دعامة صحيحة للحرية" لأنه "يشعر الفرد بواجبه وحقه".

ولإن الفقر كان حائلًا بين أصحابه وبين التعليم ؛ بات طه حسين يحلم بإلغاء الفروق بين أبناء الشعب وعدم إضافة فروق أخرى فى التعليم لمسايرة الأمم الراقية فى تطبيق المبادئ الديمقراطية والأخذ بمبدأ تكافؤ الفرص لجميع أفراد الشعب على التساوى وما يستلزم ذلك من تقرير مجانية التعليم وإتاحته لكل تلميذ بغض النظر عن فقره أو غناه لأنه "فى حرمان الفقراء لأنهم فقراء أن يتعلموا وأن يرقوا وأن يصلحوا أحوالهم وأن يطمحوا إلى الكمال تقرير لنظام الطبقات وإيمان بسلطان المال وعبادة لهذا النظام وليس هذا كله من الديمقراطية الصحيحة فى شئ.

ومما سبق نجد أن طه حسين أوضح ثلاث قضايا هامة لتعيلم يحقق الأمن القومى بالبلاد وهى : المجانية – الإتاحة – الكثافة ، والتى يعانى منها المجتمع المصرى بالفترة الأخيرة ، ويقف وزراء التعليم أمامها عاجزين ، وهذه القضايا منشأها الزيادة السكانية فالتعليم الخاص بدأ لعلاج الزيادة السكانية بالخمسينيات ، ومازلنا نعانى منها حتى الآن ، ثم تحولت إلى مشكلة كثافة الفصول ، والتى أدت بدورها إلى مشكلة الدروس الخصوصية ، ثم التعليم الموازى ومراكز الدروس الخصوصية ، ولكن مازال المسئولين لايتحدثون إلا عن المجانية ، وأنها هى المسئولة عن تلك المشكلات وأقول لهم أنتم تعلمتم فى ظل تلك المجانية دعوا الآخرين يتعلمون مثلكم وحاولوا حل المشكلات بطرق أخرى ، ولا تنظرون تحت أقدامكم واجعلوا تجارب السلف العظيم تنير لكم عقولكم ومرة أخرى أُذكركم بمقولة طه حسين الحاضر الغائب "اللهم أشهد أنى كنت سعيدًا حين تعلمت على نفقة الدولة، ولذلك فمن الحق على أن أتيح بعض هذه السعادة لأكبر عدد ممكن من شباب مصر ولو استطعت لاتحتها لهم جميعًا".

بقلم: د. لبنى عبد الرحيم إمبابي
خبير التربية والسياسات التعليمية 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
المزيد في هذه الفئة : « طه حسين الغائب الحاضر (1)