طه حسين الغائب الحاضر (1)

  • د. لبنى عبد الرحيم إمبابي
  • الخميس, 21 ديسمبر 2017 20:21
  • نشر في د. لبنى عبد الرحيم
  • قراءة 104 مرات

بقلم : د. لبنى عبد الرحيم إمبابي
خبير التربية والسياسات التعليمية

كثر الحديث الآن عن مجانية التعليم وأصبح لها معارضين ومؤيدين ، ولكن دعونا نذكر من الرواد الذين دافعوا عن مجانية التعليم ، وهو الأستاذ الدكتور طه حسين وكيف كانت حياته ولماذا دافع عن المجانية؟.

ربما نعرف جميعًا قصة حياته ولكننا سنذكر بعضًا من جوانبها الآن فى هذه المقاله لعل المسئولين يتعرفون على نموذج لوزير المعارف السابق ربما دراستهم بالخارج لم تتح لهم فرصة للتعرف عليه ، ويستفيدون من الأسباب الحقيقية وراء مثل هذه القرارات التى لطالما حلم بها السلف ونفذوها أثناء تقلدهم السلطة.

ولد طه حسين يوم الجمعة 15 نوفمبر 1889، في قرية بمغاغة إحدى مدن محافظة المنيا في الصعيد الأوسط المصري وقد أُصيب بالرمد فى سن الرابعة ولكن الجهل هو البطل الحقيقى ليطفئ النور فيهما إلى الأبد والاعتماد على حلاق القرية الذي وصف له علاجًا ذهب ببصره ، وكان والده حسين عليّ موظفًا صغيرًا رقيق الحال في شركة السكر، أدخله أبوه كتاب القرية للشيخ محمد جاد الرب، لتعلم العربية والحساب وتلاوة القرآن الكريم وحفظه في مدة قصيرة أذهلت أستاذه وأقرابه ووالده الذي كان يصحبه أحيانًا لحضور حلقات الذكر، والاستماع عشاءً إلى الروايات الشعبية التى تحكى على الربابة بالريف المصري مثل عنترة بن شداد وأبو زيد الهلالي ..، وكانت هذه الروايات تنمى فيمن يستمع إليها قيم جميلة مثل مواجهة الظلم ، والنخوة وجدعنة ولاد البلد ، والحق والبحث عنه ....إلخ من صفات وأخلاقيات حميدة كانت من أسباب تكوين الشخصية الريفية المصرية.

وفى سنة 1902 دخل طه الأزهر للدراسة الدينية، والاستزادة من العلوم العربية، فحصل فيه ما تيسر من الثقافة، ونال شهادته التي تخوله التخصص في الجامعة.

ولما فتحت الجامعة المصرية أبوابها سنة 1908 كان طه حسين أول المنتسبين إليها، فدرس العلوم العصرية، والحضارة الإسلامية، والتاريخ والجغرافيا، وعددًا من اللغات الشرقية كالحبشية والعبرية والسريانية، وظل يتردد خلال تلك الحقبة على حضور دروس الأزهر والمشاركة في ندواته اللغوية والدينية والإسلامية. ودأب على هذا العمل حتى سنة 1914، وهي السنة التي نال فيها شهادة الدكتوراه وموضوعها "ذكرى أبي العلاء" ما أثار ضجة في الأوساط الدينية ، وفي ندوة البرلمان المصري إذ اتهمه أحد أعضاء البرلمان بالمروق والزندقة والخروج على مبادئ الدين الحنيف.

وفي العام نفسه، أي في عام 1914 أوفدته الجامعة المصرية إلى مونبلييه بفرنسا، لمتابعة التخصص والاستزادة من فروع المعرفة والعلوم العصرية، فدرس في جامعتها الفرنسية وآدابها، وعلم النفس والتاريخ الحديث. بقي هناك عامًا، ليعود إلى مصر 1915، فأقام فيها حوالي ثلاثة أشهر أثار خلالها معارك وخصومات متعددة، محورها الكبير بين تدريس الأزهر وتدريس الجامعات الغربية ما جعل المسؤولين إلى اتخاذ قرار بحرمانه من المنحة المعطاة له لتغطية نفقات دراسته في الخارج، لكن تدخل السلطان حسين كامل وحال دون تطبيق هذا القرار، فعاد إلى فرنسا من جديد لمتابعة التحصيل العلمي، ولكن في العاصمة باريس درس في جامعتها مختلف الاتجاهات العلمية في علم الاجتماع والتاريخ اليوناني والروماني والتاريخ الحديث وأعد خلالها موضوع الدكتوراه الثانية وعنوانها: ((الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون)).

كان ذلك سنة 1918 إضافة إلى إنجازه دبلوم الدراسات العليا في القانون الروماني، والنجاح فيه بدرجة الامتياز، وفي غضون تلك الأعوام كان قد تزوج من سوزان بريسو الفرنسية السويسرية التي ساعدته على الإطلاع أكثر فأكثر بالفرنسية واللاتينية، فتمكن من الثقافة الغربية إلى حد بعيد.

كان طه حسين فى كتاباته ومواقفه طوال حياته باحثًا عن قيم التنوير والتحضر والرقى والإنسانية ولم يكن باحثًا عن الشهرة والمال، ومن هذا المنطلق أدرك من بدايات القرن العشرين أيام كان طالبًا للعلم قبل سفره فى البعثة طبيعة العلاقة بين أثر التعليم وكثير من القيم الاجتماعية والسياسية وهذا ما يتضح من بعض المقالات المتناثرة التى كتبها خلال هذه الفترة ومنها مقال نشره له فى السفور عام 1915 ينتقد فيه نظام التعليم القائم ويلوم الحكومة لأن مدارسها أضحت معامل لتخريج موظفين يشغلون المناصب العامة ، ونشأ عنده خلال هذه الفترة الاهتمام بأن يكون التعليم حقًا لكل مواطن كحقه فى الماء والهواء، يبرز هذا المعنى فى قوله فى كتابه جنة الحيوان "اللهم أشهد أنى كنت سعيدًا حين تعلمت على نفقة الدولة، ولذلك فمن الحق على أن أتيح بعض هذه السعادة لأكبر عدد ممكن من شباب مصر ولو استطعت لاتحتها لهم جميعًا ".

وبهذه العبارة سننهى الجزء الأول من مقالتنا مبررين الأسباب التى من أجلها كان التعليم المجانى كالماء والهواء لكل أفراد الشعب المصرى.

تحياتى لكم وإلى لقاء بالجزء الثانى لوزير المعارف الأستاذ الدكتور طه حسين .

 

قيم الموضوع
(1 تصويت)