قُـــمْ للمعــلّمِ

  • د. لبنى عبد الرحيم إمبابي
  • الأربعاء, 13 سبتمبر 2017 07:54
  • نشر في د. لبنى عبد الرحيم
  • قراءة 170 مرات

بقلم: د. لبنى عبد الرحيم إمبابي
خبير التربية والسياسات التعليمية


ذكرنا فى مقال سابق بعنوان ( المعلمون فى الأرض ) وبدأناه بأبيات أمير الشعراء أحمد شوقي:

قُـمْ للمعلّـمِ وَفِّـهِ التبجيـلا ****** كـادَ المعلّـمُ أن يكونَ رسولا
أَعلِمتَ أشرَفَ أو أجلَّ من الذي*** يبني وينشئُ أنفـساً وعقولا

فالمعلم قيمة وليس مجرد كلمة أو وظيفة صماء بل قيمة تحمل بين طياتها رسالة ترتقى إلى مرتبة تُقارب مكانة الرسل المبعوثين من الله برسائل إلهية لإفشاء قيم السلام والمحبة على الأرض والبُعد عن الجهل وأخطاره.

أما المعلمون فهم مكلفون من المجتمع لدعم القيم التي اتفقت عليها جميع الأديان وبثها فى نفوس الأبناء لإنشاء مجتمعات تقوم على العلم والأخلاق الإيجابية، وهم أيضا الجنود المحاربة للجهل والظلام ، وعلى المجتمع بأكمله صيانة مكانة المعلم وتقدير رسالته السامية، وكل منا لديه فى ذاكرته معلمًا أو معلمة يكن له/ لها كل التقدير ويحمل له الجميل لما ساهم به فى تكوين شخصيته أو اكتشاف موهبة نماها حتى أصبح فيما عليه الآن.

وذكرنا مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في احتفالية المعلم بعيده أيضًا يوم 8 سبتمبر 2014 ، وأنه قد أكد في هذه الاحتفالية على دور المعلم كعنصر من عناصر الخطة الاستراتيجية لتطوير التعليم في مصر وعظم الأمانة الملقاة على عاتقه وأن مهمته أشرف وأقدس مهنة لما له من دور في بناء شخصية النشء وتسليحهم بالعلم لحمايتهم من الأفكار الهدامة والمضللة أو المتطرفة، وبث قيم السماحة والوسطية وقبول الآخر وتقبل الاختلاف والقدرة على التمييز، وأكد سيادته على أهمية صيانة مكانة المعلم وهيبته ووقاره، وأن الدولة ترتقى بالمنظومة التعليمية بكل عناصرها.

وكان للرئيس رَدٌّ على مداخلة للإعلامي محمد الغيطي حول كيفية مواجهة الدروس الخصوصية ، قائلًا: "هناك معلمين بيروحوا المدرسة بشبشب، وهناك معلم مش لاقي يأكل وهناك معلم لايستطيع تحمل أجرة الميكروباص"، وتابع موجهًا حديثه للإعلامي محمد الغيطي: "لاتطلب المستحيل بأن تقول للمعلم اعمل وانتج وضحي دون أن توفر له احتياجات الحياة "، مضيفًا أن الدولة لاتستطيع أن توفر للمعلمين حقوقهم قائلًا: "لدينا أكثر من مليون وثماني مائة ألف معلم وزيادة 100 جنيه في راتب المعلم تعنى أن الدولة تحتاج إلى 180 مليون جنيه سنويًا وهي قيمة لاتستطيع ميزانية الدولة تحملها".

ونحن لانُنكِر وجود إشكاليات كثيرة بالتعليم المصرى وعلى رأسها ضعف راتب العاملين بالتربية والتعليم ، الزيادة السكانية والتى تؤثر على كثافة التلاميذ بالفصول مما يضاعف مجهودات المعلم داخل الفصل الدراسى ويؤثر عليه صحيًا ونفسيًا ، وهذا أدى إلى تغير شكل ظاهرة الدروس الخصوصية وخروجها من نطاق المنزل لتصبح ظاهرة السناتر لعدم أداء المدرسة دورها التعليمى والتربوى كما ينبغى.

ولكن لايمكن أن نحمل المعلم بمفرده نتيجة وتبعيات مشكلات شارك فى وجودها كل المجتمع بأفراده ومؤسساته ربما كان شريكًا رئيسًا ولكنه ليس الفاعل الوحيد فظاهرة الدروس الخصوصية بدأت منذ زمن بعيد وإذا رجعنا إلى السياسات التعليمية لوزراء فى الخمسينات والستينات نجد أنهم يتحدثون عن مشكلة الدروس الخصوصية أيضًا كنتيجة حتمية لزيادة عدد التلاميذ بالفصول.

وعلينا أيضًا أن نعترف بأن ليس كل معلم يعطى درسًا خارج نطاق المدرسة ، و ليس كل من يمارس العمل بمراكز الدروس الخصوصية هو فى الأصل معلمًا بل أصبحت مهنة لمن لامهنة له ، بل نجد أيضًا أساتذة جامعات يدرسون لطلاب الثانوية العامة.

والسؤال هل مهنة المعلم الذى تحدث عنه الشاعر أحمد شوقى تنتهى عند هذا الحد ؟ لابد وأن نعطى المعلم حقه فالمعلم يبنى الإنسانية وليس ناقلًا للعلم فقط وسأقص عليكم قصة توضح هذا الأمر والقصص كثيرة لمعلمين رائعين لايذكرهم أحد ، ودائما نذكر السلبيات لقلة من المعلمين فتصيب نتائجها جميع المعلمين والقصة لمعلم دخل حصة احتياطى بفصل ليس فصله وبدأ في شرح الدرس.. فسأل سؤالا لطالب من الطلاب ، ولم يجب فضحك جميع الطلاب..

ذهل المعلم و أخذته الحيرة والدهشة – ضحكٌ بلا سبب – لكن من خلال خبرته التدريسية أدرك من خلال نظرات الطلاب سر الضحك وأن الطلاب يضحكون لوقوع السؤال على طالب غبي في نظرهم.

خرج الطلاب.. فنادى المعلم الطالب، وكتب له بيتًا من الشعر على ورقة وناوله إياها، وقال: يجب أن تحفظ هذا البيت حفظًا كحفظ اسمك ولا تخبر أحدًا بذلك.

في اليوم التالي كتب المعلم بيت الشعر على السبورة و قام بشرحه مبيناً فيه المعاني والبلاغة ثم مسح البيت وقال للطلاب: من منكم حفظ البيت يرفع يده، لم يرفع أي طالب يده باستثناء ذلك الطالب رفع يده باستحياء وتردد، قال المدرس للطالب أجب.. أجاب الطالب بتلعثم وعلى الفور أثنى عليه المعلم ثناءً عطرًا وأمر الطلاب بالتصفيق له.

تعجب الطلاب و تكرر المشهد خلال أسبوع بأساليب مختلفة وتكرر المدح والإطراء من المعلم والتصفيق الحاد من الطلاب.

بدأت نظرة الطلاب تتغير نحو زميلهم، و بدأت نفسية الطالب تتغير للأفضل.. بدأ يثق بنفسه ويرى أنه غير غبي - كما كان يصفه معلمه السابق.. شعر بقدرته على منافسة زملائه بل والتفوق عليهم،
ثقته بنفسه دفعته إلى الاجتهاد والمثابرة والمنافسة والاعتماد على الذات، واقترب موعد الاختبارات النهائية.. اجتهد.. ثابر.. نجح في كافة المواد.

دخل المرحلة الثانوية بثقة أكثر وهمة عالية.. زاد تفوقه.. حصل على معدل أهله لدخول الجامعة، أنهى الجامعة بتفوق، واصل دراسته وحصل على الماجستير.. والآن يستعد لمواصلة الدكتوراه.

قصة نجاح كتبها الطالب بنفسه في إحدى الصحف داعيًا لمدرسه صاحب بيت الشعر أن يثيبه الله خير الثواب.

انتهت القصة ولم تنته كل القصص لمعلمين أثروا فينا ومازال منهم الكثير يكتب قصص نجاح لأبنائنا... تحية لكل معلم قام بدوره وأدى رسالته بكل إخلاص ونكرر قول الشاعر أحمد شوقي:

قُـمْ للمعلّـمِ وَفِّـهِ التبجيـلا ****** كـادَ المعلّـمُ أن يكونَ رسولا
أَعلِمتَ أشرَفَ أو أجلَّ من الذي*** يبني وينشئُ أنفـساً وعقولا

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الأربعاء, 13 سبتمبر 2017 08:29
  • حجم الخط