السياسات التعليمية والمضمون الشعبي بين رئيس الجمهورية ووزير التعليم

  • د. لبنى عبد الرحيم إمبابي
  • السبت, 29 يوليو 2017 14:48
  • نشر في د. لبنى عبد الرحيم
  • قراءة 79 مرات

بقلم: د. لبنى عبد الرحيم إمبابي
خبير التربية والسياسات التعليمية

تتعرض النظام التعليمى فى مصر وخاصة فى السنوات الأخيرة لموجة من النقد المرير بل إن التعليم قد واجه أزمة ضخمة (فى مصر والعالم) وخاصة فى منطقة الشرق الأوسط نتيجة لما تمر به بعض الدول العربية من حروب ضد الإرهاب.

وكان على السياسة التعليمية قدرًا كبيرًا لمواجهة تلك الأزمة إلا أن السياسات التعليمية فى مصر تفتقر لرؤيتها اهتمامات المواطن المصرى واحتياجاته ، وكذلك المعايير التى يجب أن يكون عليها المواطن المصرى فى المستقبل القريب والبعيد ، وغالبًا ماتهتم تلك السياسات وواضعوها بالأزمة الأكبر - من وجهة نظرهم - وهى بناء المدارس والفصول ، ودعونا نعترف بأنها أزمة حقيقية نتيجة للزيادة السكانية والتى مازال المواطن المصرى لايكترث بها حتى الآن.

وبالرغم من أهمية مناقشة الزيادة السكانية إلا أننا ناقشنا هذا الموضوع سابقًا بعنوان " مبروك جالك ولد " وسنظل نتحدث عنه لاحقًا، أما موضوعنا الحالى هو كيف نجعل المواطن مشاركًا فى وضع السياسة التعليمية ، ولا نضع قرارات فوقية فيستشعر المواطن بأن متخذ القرار لايراه ؛ فتحدث فجوة بين المجتمع بأفراده وواضعى السياسات التعليمية ومتخذى القرار.

والمثال المطروح حاليًا هو موضوع تطوير الثانوية العامة ، فبالرغم من إتفاق المجتمع كله على ضرورة تطوير المرحلة الثانوية بشقيها العام والفنى إلا أننا فؤجنا بتصريحات لوزير التعليم تؤكد على تنفيذ خطة للتطوير بداية من العام الدراسى القادم دون طرح تلك الفكرة للحوار المجتمعى وبالرغم من التخاوفات الكثيرة إلا أن الوزير اعتبر كل مُعَارض لفكرته له مصالح شخصية فى وجود النظام الحالى للثانوية العامة .... يالا العجب ، وسألت نفسى...هل وصلنا إلى هذا الحد هل يترك زمام التعليم لفرد واحد يتخذ قرارًا دون الرجوع حتى إلى المجلس الأعلى للتعليم قبل الجامعى ، ولايريد أن يستمع للآخرين ؟ وشعرت بالإحباط الشديد.

وفجأة وفى المؤتمر الرابع للشباب بالإسكندرية 24/7/2017 تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال كلمته عن نظام الثانوية العامة الجديد ودور الدولة والمواطن في إنجاحه.

وطالب السيسي، بمراعاة الثقافة العامة التى تكونت لدى الشعب قبل تطبيق نظام الثانوية الجديد، مؤكدًا أن تطوير التعليم عملية مشتركة بين الدولة بمؤسساتها والمجتمع.

وأضاف: "مش هنعمل إجراء أو تعديل لا نضمن نجاحه بنسب حاسمة، على أن نضع فى الاعتبار حين مناقشة هذا الموضوع والموضوعات الأخرى البُعد الثقافى للمجتمع خلال الـ 50 عامًا ونظرتهم للتعليم.. فهل أهلنا فى مصر يريدون تشكيل معرفة حقيقة لأبنائهم وبناتهم أم مجرد شهادة".

وتابع: "ياترى هذا الفهم المترسخ فى وجدان الناس هو الطريق الحقيقى الذى نساعد به أولادنا فى مستقبلهم!.. خذوا فى الاعتبار أن هذا هو الراسخ فى وجدان المصريين على مدى 50 عامًا".

ولا أُخفيكم سرًا أن كلام السيد الرئيس قد أثلج صدرى ليس فقط لأن الرئيس وقف مع الشعب كعادته بل لأنه وفى ظل أعبائه الكثيرة جدًا والمشاكل التى تمر بها البلاد والمنطقة العربية قال " أنا متابع رأى الناس فى هذا الموضوع " .... الله عليك ياريس.

وإذا نظرنا لعمليات إصلاح النظام التعليمى فى سنوات سابقة نجد أنها كانت ومازالت مجرد رد فعل لحركة خارجية فى بعض الدول الأجنبية من حركات لتطوير ، إن الاستفادة من تجارب الغير أمر مفيد ، ومؤشر على العصرية والتفتح نحو الجديد ، إلا أن العيب هو فى افتقاد نظامنا التعليمى لعنصر المبادأة واقتصاره على التبعية فى محاولة للحاق بالدول المتقدمة والاحتذاء بنماذجها فى التنمية ، فلا يجوز أن يكون دورنا فى التخطيط التربوى قاصرًا على مجرد ترديد وتكرار ما تقوله غيرنا من الدول النامية أو المتقدمة ، هذا بالإضافة إلى أن الحلول التى تعرفها هذه الدول إنما تأتى استجابة لمشكلات يعنيها المجتمع القائم فى كل منها ، ولا يجوز أن نغض الطرف عن ذاتية المجتمع المصرى وهويته الثقافية واحتياجاته الحقيقية بدلا من التبعية وسيطرة الرأسمالية الليبرالية الجديدة.

وغالبا ماتؤدى عزلة التجارب والإصلاحات الاجتماعية عن سائر قضايا المجتمع ومشكلاته إلى إضعاف فاعليتها ، إن مشروعات التعليم وإصلاحاته تأتى لصالح الجماهير ، ومن ثم كان من الضرورى أن يصحب كل مشروع عملية إيقاظ للجماهير وإثارة لدوافعها فى المشاركة وحفز لهممها ، وتوعية لها بأهمية المشروع حتى تتبناه وتحرص عليه وتدافع فى سبيل تنفيذه ، ويجب أن تتضافر الجهود الذاتية للجماهير مع الجهود الرسمية فى إقامة مشروعات التعليم وتحقيق إصلاحاته ، ولا يجوز أن تقتصر جهود الجماهير فى إقامة المدارس الخاصة ، مهما كان فى هذه المدارس من إسهام جماهيرى فى تحمل أعباء نفقات التعليم ، بل يجب أن تتكاتف أيضاً فى تحمل أعباء مقتضيات التطوير فى جميع مجالاته.

وليس أدل على فعالية الوعى الجماهيرى من إنشاء الجامعة (الأهلية) بناء على دعوة مصطفى كامل باشا لتكوين الشخصية القيادية المصرية إبان الإحتلال الإنجليزى حين كان التعليم لمجرد طبقة من الموظفين.

لقد كان غياب الوعى الجماهيرى هذا ، فى كثير من الأحوال ، سببا من ضعف الثقة بالعملية التعليمية والتشكك منها وعدم مساندتها ماديا ومعنويا ، الأمر الذى انعكس فى النهاية فى تفاقم المشكلات التى يعانى منها النظام التعليمى فى مصر وسنظل هكذا حتى تحتوى السياسات التعليمية مضمونًا شعبيًا.

 

قيم الموضوع
(1 تصويت)