إذا عُرِفَ السبب !!

  • د. لبنى عبد الرحيم امبابي
  • الإثنين, 09 يناير 2017 09:15
  • نشر في د. لبنى عبد الرحيم
  • قراءة 171 مرات

بقلم : د. لبنى عبد الرحيم امبابي

خبير التربية والسياسات التعليمية

تعود القارئ لمقالاتي أن يرى في أغلبها إعتمادي على التاريخ وخاصة منذ قيام ثورة 23 يوليو 1952م في دراستي للظواهر ونتائج لمتغيرات مرت علينا في حقب متتالية حتى نسطيع إيجاد الأسباب الحقيقية ومحاولة لإيجاد حلول لإشكاليات عجزت عن حلها قيادات بل إستراتيجات عديدة، فعندما أُعلنت مجانية التعليم الجامعي والعالي استكمالًا لمجانية التعليم في المرحلتين الابتدائية والثانوية كانت تهدف إلى تحقيق تكافؤ الفرص لأبناء مصر في القبول بالتعليم الجامعي وفقًا لمجموعهم في إمتحان الثانوية العامة الذي أعقبه التوسع في التعليم الجامعي وانتشاره في أرجاء البلاد كافة .

ومنذ ذلك الحين مرت قضية التعليم في مصر بعدة مراحل، حيث تم التوسع في إنشاء المدارس، ونشر التعليم بين فئات المجتمع المصري الذي حُرِم ردحًا طويلاً منه . ونتيجة حتمية لما تحملته مصر، سواء للإعداد لحرب أكتوبر 1973م، والتي كانت من أشرف المعارك التي خاضها الشعب المصري، وقواته المسلحة الباسلة، حتى تحقق النصر، أو لما دفعته من فواتير حروب أربع، خسرت فيها ما يزيد على مائتي مليار دولار خسائر مباشرة، وألف مليار دولار خسائر غير مباشرة، وكذلك لِما شهدته هذه الحقبة من تاريخ مصر نتيجة الحروب الأربع، ومن نتائج ما يحدث عادة بعد الحروب من غلبة القيم المادية والفردية والأنانية والإنفتاح الاستهلاكي – كانت له آثار وخيمة على الاقتصاد القومي، والتي أدت إلى تدني الخدمات بشكل واضح .

حدث هذا في الوقت الذي لم تكن آثار الإصلاح الاقتصادي قد ظهرت بعد، ولم تكن الآثار الجانبية لنصر أكتوبر قد تبلورت ولم تكن آثار السلام قد استقرت، الأمر الذي انعكس على موارد واستثمارات التعليم، حيث كان أكثر من نصف المدارس لا يصلح بكل المقاييس للحفاظ على الحد الأدنى للكرامة الإنسانية، فآلاف المدراس ليس بها دورات مياه، وآلاف المدارس آيلة للسقوط، وآلاف المدارس دون نوافذ أو أبواب، وآلاف المدارس تحتاج إلى المعامل والمكتبات والأسوار وأماكن لممارسة الأنشطة المختلفة .. وكان العائق الأكبر في عدم حل هذه المشكلة وتركها كل هذه السنوات، هو عدم وجود استثمارات، وكان لا يخفى على أحد أن المدارس كانت تعتبر في كثير من الأحيان أماكن إيواء سيئة، لا تشجع على بقاء الأطفال، ولا تشجع الأسر على إرسال أولادهم إلى هذه المدارس .. لقد كانت الأبنية التعليمية إحدى أضعف حلقات العملية التعليمية ، خاصة وأن معظمها كان مبنيا على مساحات صغيرة جدًا من الأرض ، وأن أغلبها كان مؤجرًا ، ولم يكن قد صمم منذ البداية كمبنى أومنشأة تعليمية بما يستلزمه من مواصفات فى هذا الشأن .

ومع انعكاسات الموقف السكاني وتداعيات أزمة الانفجار السكاني، والتزايد الهائل في أعداد التلاميذ في سن التعليم الأساسي ، وقصور المباني التعليمية، وانتقاص عمرها الافتراضي نتيجة الكثافة العالية، وتحميل الفصول المدرسية فوق طاقة استيعابها بمعدلات كبيرة وصلت في بعض الأحيان إلى حوالي مائة تلميذ، وتحميل المبنى المدرسي الواحد أكثر من مؤسسة تعليمية، وتعدد الفترات التي وصلت إلى أربع فترات دراسية ببعض المناطق في اليوم الواحد – بحيث لم يكن الزمن الذي يقضيه التلميذ في مدرسته يتجاوز ساعتين أو ثلاث ساعات يوميًا في أحسن الفروض – تدهورت تمامًا العملية التعليمية وتفاقمت الأوضاع بشكل خطير أحدث تأثيرًا سلبيًا على كل مكونات التعليم وعناصره الأخرى من معلم، ومناهج دراسية وغيرهما، كما أحدث انفصاما بين نظم التعليم واحتياجات المجتمع والواقع الاقتصادى الجديد، بحيث لا يجد الخريج فرص عمل مناسبة رغم حصوله على الشهادة، لأنها لا تؤهله للإسهام في حركة المجتمع، هذا بالإضافة إلى غياب البعد المستقبلي، حيث ظلت المؤسسات التعليمية معنية بالماضي، أو على أحسن التقديرات بالحاضر القريب، فالبعد المستقبلي – رغم أهميته – غائب تمامًا عن مناهجنا التعليمية، وفي معظم المؤسسات التعليمية، وإلى وقت قريب، لم تكن لدينا قدرة على التحليل العلمي للخيارات المطروحة في هذا الزمان، فنحن نُخرج أفرادًا للمجتمع بأفكارنا نحن، وبتجربتنا نحن، بظروفنا المحلية الحاضرة، التي لن يعيشوها، ولن يقابلوها، في حين أنه يتحتم علينا إعدادهم لزمانهم هم، وليس لزماننا نحن .

وكنتيجة منطقية لضعف الأسرة أو افتقاد دورها في المدرسة وفيما تقدمه من تعليم لأبنائها، اتجهت الأسرة إلى السوق السوداء للتعليم المتمثل في الدروس الخصوصية، والتي لم تكن ظاهرة عامة فحسب، ولكنها أصبحت ظاهرة مرضية، وقد تزايدت هذه الظاهرة بعد حرب أكتوبر 1973م نتيجة الهجرة المتزايدة إلى دول الخليج، وبدء مرحلة الانفتاح، اللتين كان لهما أبعادهما ونتائجهما الاجتماعية الخطيرة على الأسرة، والتي تمثلت بصفة خاصة في غياب إشراف الأسرة في كثير من الأحيان على أبنائها في مرحلة التلمذة، وكان الالتجاء إلى الدورس الخصوصية أحيانًا نوعًا من الأب البديل، أو انعكاسًا في بعض الأحيان لعقدة ذنب ترى في هذه الدروس الخصوصية تعويضًا ماديا من المغتربين أو من الذين جرفتهم موجة الانفتاح لأبنائهم نتيجة شعورهم بالذنب، والتي كان من أسبابها أيضًا عدم استطاعة الدولة خلال سنين طويلة بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي نعرفها جميعًا، أن تُوفي المعلمين أجورهم العادلة، فاضطروا بدورهم إلى البحث عن مصدر للدخل خارج المدرسة، وقد تزامن هذا مع ظاهرة تدني مستوى التعليم في المدارس الرسمية، مما اضطر الكثير من أولياء الأمور إلى أن يبحثوا عن بديل خارج المدرسة .. ذلك فضلا عن تفشي ظاهرة الكتب الخارجية التي كان من أهم أسبابها، عدم تطوير الكتب المدرسية وابتعادها عن مسايرة الأساليب الحديثة في الطباعة، وجمود المحتوى، وترويج بعض الفئات المستفيدة منها من محترفي الدروس الخصوصية لها.

هكذا وجدنا أنفسنا على مر التاريخ أمام مدرسة بلا تلاميذ وبلا معلم ، خرجوا من المدرسة النظامية باتفاق ضمني بين المعلم وولي الأمر لمصالح مشتركة تضمن تسهيل العملية التعليمية للتلميذ في مقابل مادي للمعلم يعوضه عن مرتب هزيل، ومع أننا نحلل التاريخ ونعرف الأسباب إلا أننا نضع دائما حلولًا بعيدة كل البعد عن تلك الأسباب رغم المقولة الشهيرة: "إذا عُرف السبب بطُل العجب ".

قيم الموضوع
(1 تصويت)
  • آخر تعديل على الإثنين, 09 يناير 2017 11:57
  • حجم الخط