التعليم والمواطن الاقتصادي

  • د. لبنى عبد الرحيم امبابي
  • الأحد, 27 نوفمبر 2016 13:58
  • نشر في د. لبنى عبد الرحيم
  • قراءة 144 مرات

بقلم : د. لبنى عبد الرحيم إمبابي

خبير التربية والسياسات التعليمية

تعرض النظام التعليمي فى مصر وخاصة في السنوات الأخيرة لموجة من النقد المرير، بل إن التعليم قد واجه أزمة ضخمة (في مصر والعالم) بسبب ما يواجهه من مشكلات خطيرة.

وكان على السياسة التعليمية قدرًا كبيرًا لمواجهة تلك الأزمة، إلا أن السياسات التعليمية افتقرت منذ قيام الثورة ومع تطور حركة التعليم في مصر لرؤيتها المشكلات المتعلقة بالتعليم العام والفني بشكل يتفق وحاجات المجتمع المصري، واهتمامات المواطن والمعايير التي يجب أن يكون عليها المواطن المصرى والتحولات العالمية وتأثيراتها المحلية على المجتمع المصري، ثم أثر ذلك كله على السياسة التعليمية (المعلنة والواقع التطبيقي) ومدى تعزيز تلك السياسة للمواطنة.

دعونا نتفق أن الزمان التاريخي هو بُعد تتوالى فيه الأحداث ومجريات الحياة في تسلسل قد تتحرك فيه أوضاع المجتمع واتساقه في حركة بطيئة، وقد لا يعدو التغير في الحقب الزمنية تغيرًا شكليًا، ويظل تواتر الأحداث والحياة اليومية ثابتًا نسبيًا وإن تغيرت أشكالها وآلياتها وقوالبها.

ومن ثم يصبح التغيير صورة لا مضمونًا، ومع ذلك فإن ثمة أحداثًا سياسية واجتماعية واقتصادية وحركات فكرية قد تتجمع وتتناحى وتحتشد لتمثل كتلة حرجة، تدعمها قوى اجتماعية، ويترتب على هذا زمان اجتماعي ثقافي مغاير لما سبقه بدرجات متفاوتة من التباين.

وقد يتولد هذا الزمان الثقافي الجديد كتطوير لاضطراب القوى القائمة في المجتمع من خلال تدافعها وصراع مصالحها ورؤاها الفكرية وتطلعاتها المستقبلية، وهذا النوع من حركة التغيير الذاتي الشعبي يحتضن بدائل متنوعة في الخيارات الجديدة والمنبثقة من الظروف الموضوعية التي أدت إلى تحريك الواقع، حاملة بذوره ومتشابكة مع قواه المختلفة، ومن ثم تصبح آفاق هذا التغيير - الذي تسهم فيه مجمل القوى المجتمعية - فضاءً مفتوحًا لعديد من الاحتمالات تتبلور مع ظروف المجتمع وتطلعاته وإمكاناته.

ومع قوى التغيير في المجتمع ونسقه التعليمي من مصادرها الشعبية أو الفئوية المسيطرة من داخلها قد تأتي قوى التغير، وبخاصة في عالم اليوم، من مصادر أجنبية من خارج القوى الشعبية أو الفئوية، وقد يحدث ذلك من خلال الغزو الاستعماري كما تمثل في حالة الاحتلال البريطاني، وقد يسري ذلك من خلال ضغوط سياسية واقتصادية تفرضها منذ التسعينيات آليات العولمة ومؤسساتها المالية والثقافية، أو ما حدث منذ خمس سنوات من أحداث سياسية بالشرق الأوسط، ويرتبط بذلك ما تسعى إليه الدول الخارجية من تشكيل وترويض للفكر العربي، وتغيير لمنظومة القيم والمفاهيم الدينية؛ حتى تمهد لتحقيق مصالحها الاستراتيجية والاندماج في قيم السوق العالمية الطليقة، ويصاحب ذلك عادة تكوين نخب في المجتمع هدفها النفاذ إلى مؤسساته وإعادة تشكيل قيمه وتطلعاته.

ونستطيع تحقيب فترة مابعد ثورة يوليو حسب التغير الاجتماعي إلى :-

1- مرحلة ثورة 23 يوليو 1952 وحتى بداية السبعينات .
2- مرحلة الانفتاح الاقتصادي ونصر أكتوبر في السبعينات .
3- مرحلة الخصخصة من الثمانينيات وحتى بداية التسعينيات.
4- مرحة العولمة والاقتصاد الحر للتسعينيات .
5- مرحلة المتغيرات العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية في بداية الألفية الجديدة .
6- مرحلة المتغيرات السياسية وما يسمى بالربيع العربي .

إن الواقع الثقافي في المجتمع المصري هو ثمرة محاولات اختراق الرأسمالية العالمية – تلك التي جاهدت وما تزال – من أجل خلق القيم الرأسمالية التي تسمح باستمرارية تبعية الواقع المصري في إطار ما يسمى بالمنظومة الدولية.

وتسعى أيضا إلى وجود نسق من القيم والسلوك والعادات والتقاليد، التي تسمح بانخراط المجتمع المصري في قسمة العمل الدولية وهذا الاختراق الرأسمالي للمجتمع المصري لم يأخذ شكلًا واحدًا ووحيدًا عبر تاريخه الطويل بل أخذ أشكالًا متعددة.

وتسعى محاولات الاستتباع الثقافي للمجتمع المصري إلى فرض مجموعة من الأهداف أهمها :

أولا : إشاعة ما يسمى بالاغتراب اللغوي والثقافي .
ثانيا : طمس معالم الهوية الوطنية .
ثالثا : إغراق المجتمع المصرى بنتاج استهلاكي يعزز من خلاله الوطنية وتحويلها من عنصر استنهاض وطني قومي ، إلى خطاب يسعى إلى تهميش العقل حتى يسهل غزوه وتبعيته، وهذا كله يسعى إلى إعادة السيطرة وفرض التبعية على الواقع الاجتماعي الاقتصادي القائم في المجتمع المصري دون الفكاك منها.

فمنذ حرب أكتوبر 1973م وانتهاج سياسة الانفتاح الاقتصادي سياسة رسمية للمجتمع المصري ، والتحول في السياسة الخارجية، والمضى قدما في اتفاقيات السلام مع إسرائيل، قد بات المجتمع المصري تحت رحمة الولايات المتحدة الأمريكية اقتصاديا وكذا سياسيا وعسكريا.

إن تحول مصر منذ السبعينيات من نمط إنتاج الدولة القائد إلى نمط الدولة التابع، قد رهن استقلالها من أجل السلام والمعونات والرخاء الأمريكي الأمر الذي جعلها سجينة التبعية الأمريكية لفترة ليست بالقصيرة، ليس على الصعيد الاقتصادي والسياسي فقط بل على الصعيد الثقافي؛ فإن سياسة الباب المفتوح والإغراق بالاستيراد دون تحويل عملة وتشجيع القطاع الخاص والشركات متعددة الجنسيات أصابت المجتمع المصري في مقتل إذ أفقدته حيويته وقدرته على الحركة المستقلة.

لذا علينا أن نعي مانمر به الآن من محاولات الإصلاح الاقتصادي الجادة وما يتبعه من إرتفاع للأسعار وتوجيه الدعم لمستحقيه، ولكن هذا ليس كل شئ؛ فالتعليم يجب أن يواكب تلك الإصلاحات وعليه أن يشارك في حدوث نهضة اقتصادية محورها تكوين مواطن اقتصادي يعي تمامًا الترشيد في النمط الاستهلاكي وأهمية الإنتاج.

والسؤال الآن، هل القائمون على التطوير ( وهم الآن كُثر ) يعلمون أن رؤية التعليم للفترة القادمة لابد وأن تتواكب مع المتغيرات وسياسات الدولة ؟ إن مخرجات التعليم القادمة لابد وأن تقوم على تكوين المواطن الاقتصادي المنتج المنتمي لبلده مصر لإنها وببساطة ليست في حاجة إلا لهذا المواطن.

قيم الموضوع
(1 تصويت)