تغيير الانظمة وتهذيب الشريعة

  • د. عادل عامر
  • الجمعة, 09 فبراير 2018 08:40
  • نشر في د.عادل عامر
  • قراءة 34 مرات

إن تغيير الأنظمة يأتي من ترويج الديمقراطية في معظمه يستهدف المؤسسات والقانون.. هكذا أعلن في واشطن علي لسان جورج بوش الابن عام 2006: يجب الدفاع عن الديمقراطية وتهذيب الشريعة الإسلامية التي تغذي وتنتج الإرهاب والإرهابيين في العالم الإسلامي.. إن أدني إشارة لتورط الأمريكيين في الشئون الداخلية للدول الأخرى عادة ما يشي بوجود مؤامرة تقودها وكالة الاستخبارات المركزية ولذلك يري البعض أن مركز الصراعات غير العنيفة كان يستهدف صرف الشكوك من حولهم فلا يتعرضون للانتقام؛ وهو خوف له ما يبرره في حالة العديد من الايرانيين الذين حضروا مؤتمرا للمركز (أكرمان بوشطين)، وتم اعتقالهم فيما بعد جميعا..

كيف تم رسم سيناريو موحد لإسقاط الأنظمة في الدول العربية رغم أن كل دولة من الدول العربية مختلفة عن الأخرى من حيث العرق أو الدين أو حتي المعتقد الطائفي؛ فبينما يمكن أن ينجح السيناريو في مصر من دون نجاح الفوضى الخلاقة كمجتمع تربطه حضارة 7 آلاف سنة يتسم بالنسيج الواحد، تظهر في ليبيا واليمن القبلية وفي سوريا الطوائف العرقية والدينية ولا يمكن بحال من الاحوال أن يكون ما يتم تفعيله مثلا في تونس هو نفسه ما يمكن تفعيله من سيناريو للتغيير في ليبيا.

والمشهد اليوم داخل العواصم العربية التي شهدت سيناريو الديمقراطية خير دليل علي كذب ادعائه؛ فبينما ينادي الشعب المصري بالديمقراطية المزعومة سقطت أعمدة الدولة المصرية وتعرض أمنها القومي لمخاطر عديدة، وشهدت ليبيا حربا قبلية ومن بعدها سوريا شهدت حربا عرقية ودينية واليمن كذلك، مما يؤكد أن المنطقة العربية ليست بصدد تغيير أنظمتها بقدر إحداث زعزعة للاستقرار بها .

فيمكننا مشاهدة 18 حالة منها بداية اضرابات غزل المحلة التي حولتها حركة 6 أبريل عام 2008 إلي دعوة عامة للإضراب في مصر ودعمتها حركة كفاية وبعض الأحزاب الأخرى وقوى المعارضة مرورا بأزمة قضاة الاستقلال عام 2005 نهاية بوصول البرادعي للقاهرة وتأسيس الجمعية الوطنية للتغيير وأهمها الوقفات الاحتجاجية الرمزية وكتابة إعلان جديد لحقوق المواطنة علي يد البرادعي ثم ارتداء الملابس ذات الدلالة الرمزية وإقامة جنازات رمزية وترديد الشعارات المستفزة وسب الحكام بالأسماء وبشكل مباشر وعقد الاجتماعات والندوات الاحتجاجية والوقوف حدادا في صمت للاحتجاج كما حدث في قضية خالد سعيد والمقاطعة للانتخابات البرلمانية كما حدث في انتخابات برلمان 2010 واضطرابات العمال والطلبة والاعتصامات وسحب الودائع والحسابات من البنوك بشكل جماعي وهوما قد دعا إليه النشطاء السياسيون في مصر في مرحلة التمهيد لثورة 25 يناير واضراب المساجين عن الطعام وتحدي القضاء وتعليماته وتحدي قوات الأمن واستفزاز رجال الشرطة والتشهير بهم وإبراز وحشيتهم واستمالة بعضهم لعدم التعاون أو الانصياع لأوامر رؤسائهم بتقديم الورود لهم اثناء الوقفات الاحتجاجية كلها أساليب قرأها هؤلاء وحفظوا تكتيكاتها عن ظهر قلب ونفذوها علي الأرض باقتدار..

كذلك تجد من كتاب "شارب" هذا إيقاع حالة توتر في العلاقات الدولية بين الدولة والعالم الخارجي كما الحال في قضية كنيسة العمرانية منتصف 2010 والتدخل المباشر والدائم في الأعمال السيادية للدولة بما فيها مواقفها الدبلوماسية والسياسات الداخلية والخارجية وأهمها كانت قضية غلق المعابر مع قطاع غزة والتي تبنتها قناة الجزيرة القطرية ولعبت دورا بارزا في إحراج النظام المصري وموقفه من القضية الفلسطينية بصورة فجة للغاية ومن دون مراعاة لبعد الأمن القومي المصري.

 كذلك احتلال الميادين العامة وإعاقة المرور وإقامة منظومات اجتماعية وسياسية بديلة؛ فظهر البرلمان الموازي لبرلمان 2010 وإيجاد إعلام بديل وإنهاك النظام الإداري للدولة والسعي  لدخول السجون من النشطاء السياسيين من أجل الحصول علي صك الوطنية والعمل كحكومة موازية بديلة تظهر ثنائية السيادة في الدولة وهو ما قامت به أيضا قوي وتيارات المعارضة المصرية بعد الانتخابات البرلمانية.. جميع الأحداث التي شهدتها مصر كانت تكتيكات "شارب" من كتابه (من الديكتاتورية إلي الديمقراطية) ولم تكن من وحي خيال المعارضة والنشطاء السياسيين في مصر.

إن ثورات الربيع العربي تأثرت بهذا الكتاب وتناقله الشباب العربي علي الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) من تونس إلي اليمن مرورا بمصر وليبيا حتي الشباب السوري تلقي بدوره نسخا مترجمة من الكتاب وعقدوا دورات دراسية حول تطبيق نظرية الكفاح اللاعنيف؛ فالكتاب كان ولايزال الغذاء الروحي لهذه الثورات والتي صنعت التغيير علي الطريقة الأمريكية أو في طريقها لإنجازه.

وها هي الشعوب العربية المقهورة تسير نحو انعتاقها (بلا عنف) تماما كما سارت شعوب أخرى في العالم كالشعب اليوغسلافي والروماني والصربي والأوكراني والبلغاري والجورجي والذي استطاع بمساعدة هذا الكتاب أن يتحرر من العبودية تحت حكم أنظمة وصفوها بالشمولية ليقع تحت حكم أنظمة أكثر سلطوية وديكتاتورية تمولها وتدعمها الولايات المتحدة الأمريكية ولم تجد هذه الشعوب مفرا من الانفصال لتقسيم دولهم من ثورات مضادة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

جددت المكاسب السياسية في مصر الحياة للقوى السياسية الإسلامية في حين يبدو للعيان أن كبرى الدول العربية هي الداعمة للنهضة السياسية للإخوان إخوانهم من السنة إلا أن خلافا هادئا متناميا بين السعودية وتركيا حول التأثير الاقليمي المتزايد للإخوان كشف النقاب عن عداء طويل الأمد مع السعودية لواحدة من أكبر وأقدم الحركات الإسلامية في العالم أن تتولي حركة إسلامية السلطة في واحدة من أهم الدول العربية في المنطقة قد يبدو تطورا ترحب به السعودية بحماسة ذلك أن الإسلام فيها مكون رئيسي لثقافة الدولة وهويتها السياسية بالرغم من ذلك فان الرياض قلقة بشكل كبير بسبب ازدياد شعبية الحركة السياسية حول المنطقة والعواقب التي ترتبت علي نهوض تشكيل جمهورية إسلامية يمكن أن تنزع الملكية السعودية فالانقسام الفكري والسياسي بين السعودية والإخوان متأصل في تاريخ كل منهما حيث يتبع أغلبية المواطنين في السعودية الوهابية وهو مذهب أسسه محمد بن عبد الوهاب وقد عمل علي تطهير العقيدة والممارسات الدينية في القرن الثامن عشر.

علي الجانب الآخر فإن الإخوان يتبعون أسلوبا أكثر مرونة في تطبيق الإسلام يمزج بين فكر السياسة الغربية الحديثة مع الموروث الثقافي الإسلامي والحركة التي أسسها الإخوان تنظر إلي الإسلام كعلاج سياسي للأمراض التي ابتلي بها العالم الإسلامي في القرون العديدة السابقة .

في هذه الاثناء بدأت العائلة الحاكمة السعودية تنظر إلي انتشار جماعة الاخوان السريع بنظرة؛ ريبة ذلك أن دعوة الجماعة لشكل جمهوري للحكم الإسلامي يمثل تناقضا صارخا للنظام الملكي الذي تستمد منه العائلة الملكية السعودية قوتها؛ فقد اشترك السلفيون وجماعة الإخوان في محاربة الناصرية المدعومة من الاتحاد السوفيتي حول العالم الإسلامي حيث جمعتهم أفكار مشتركة، مما نتج عنه نوع من الفكر المركب التزم مذهب الإخوان إلي حد ما في ذلك الوقت بشخصيته الأساسية ولكن اصبحت السلفية التي كانت تفتقر إلى الفلسفة السياسية متأثرة بشكل كبير بأفكار الرموز البارزة مثل سيد قطب وبذلك ضعفت شبكة الدعم السلفي في السعودية.

شهدت المملكة السعودية أول تحدٍ إسلامي كبير لها في عام 1979 حينما أدت الثورة الإيرانية إلى تأسيس جمهورية إسلامية.. كان هذا أول مثال حديث علي الدولة الإسلامية وهي التجربة التي دعمتها الفكرة الأساسية لجماعة الإخوان ألا وهي أن الدولة يمكن أن تحكم طبقا لمبادئ اسلامية.

الدكتور عادل عامر

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الجمعة, 09 فبراير 2018 09:25
  • حجم الخط