الاغتيال الأخلاقي

  • د. عادل عامر
  • الأحد, 12 نوفمبر 2017 08:56
  • نشر في د.عادل عامر
  • قراءة 6 مرات

بقلم الدكتور عادل عامر

نعم إنه زمن السقوط الأخلاقي الذي يتم فيه اغتيال الطهر والنقاء... فمن يعتدي على هذا الطهر هو مجرم آثم بنظر البشرية جمعاء، ومن يسرق البسمة من الشفاه مجرم آثم، ومن يختطف الضحكات مجرم آثم، والنظر إلى الحركات العنيفة اللاأخلاقية التي تعلن بأنها تناقض البنية العنقية اللاأخلاقية للسلطة على أنها ماهية الحركة التاريخية للشعب تفكير ساذج إن كان يصدر عن نية حسنة، وخاطئ إن كان يصدر عن جهل، لكنه في الغالب يصدر عن نية سيئة، فهو خبيث.

ولهذا فإن مفاهيم الشعب والإنسان والحريّة والتحرر والكرامة والوطن والمواطنة والديمقراطية بوصفها مفاهيم القوة الأخلاقية للثورة يجب؛ أجل يجب أن تعبر عن نفسها ممارسة نظرية وعملية، فصناعة التاريخ فعل خلّاق.

إن السعادة الحقة لا تجلب أبدًا من الخارج، وإنما هي شعاع من نور، يولد ويكبر في داخل الإنسان، ويضيء جوانب الحياة كلها، ويجعلها أكثر قيمة ومنطقية، وأكثر تهيّئًا للنمو والتقدّم والاستمرار، وكل ذلك مرهون بأوضاع تسود فيها الأحكام الأخلاقية، ويعلو فيها صوت الالتزام والاستقامة، وترفرف في أرجائها إشراقات النفس.

إن القاعدة النفسية الأخلاقية في أي مجتمع هي التي تتحمل الأثقال التي تنتج عن طبيعة الحياة المادية والاجتماعية، وعن الانتكاسات التي تصاب بها الأمة في ميادين الحياة المختلفة.

إن هذه القاعدة هي التي تمكن الناس من تحمل الظروف الصعبة من دون أن يتحللوا أو أن ينحرفوا؛ فحين يصاب الناس بضائقة اقتصادية شديدة فإن القاعدة الأخلاقية تدفعهم إلى إغاثة الملهوف وإطعام الجائع، والصبر على المدين المعسر، إلى جانب التماسك الشخصي، وعدم الرضوخ لمقتضيات الظروف الصعبة ؛ فنجد المسلم الحق يمتنع عن كل أنواع الكسب الحرام مع فاقته الشديدة، وذلك اتكاءً على ما لديه من قيم ومقاومة إيمانية لدواعي التحلل.

إن هذه القاعدة هي الرصيد الاحتياطي الضخم الذي تعتمد عليه الأمم في ترميم العديد من أنواع الخلل في حياتها.

ومن هنا ندرك حجم الجريمة التي ارتكبت في حق هذه الأمة حينما دُفعت دفعًا من قبل أعدائها على مستوى التنظير، وعلى مستوى العمل إلى أن تجعل القيم الأخلاقية والنفسية في المرتبة الدنيا من اهتماماتها؛ فلما واجه الناس ما واجهوه من ضائقات في العيش، ومن شح في متطلبات الحياة الكريمة، لم يجدوا لديهم سندًا خلقيًّا كريمًا يعتمدون عليه في الصمود أمام المغريات وأمام أسباب الانحدار المختلفة!.

إن الذين نكنُّ لهم عظيم الاحترام ليسوا أولئك الذين يملكون كثيرًا من المال أو الدهاء والمكر أو القوة الجسدية الخارقة، وإنما نكن عظيم الاحترام لأولئك الذين يملكون خُـلق أن القيم الأخلاقية في نظر الفرد تحدد نتيجة لمحصلة تأثير عاملين: النزعات الفطرية والتعليم الذي له الدور الأخير في خلق الحس الأخلاقي لدى الأفراد (وإن اختلفوا كثيرا في مدى قدرتهم على الاستفادة مما تعلموه)، وهذه القدرة تتناسب إيجابيا مع قابلية الفرد لاعتناق أعراف جديدة تسد ثغرات النقص في المبادئ المتوارثة أو تحل محلها جزئيا.

لذلك لا صحة اليوم لموقف يريد أن يساوي الجلاد بالضحية والقاتل بالقتيل والظالم بالمظلوم فالمسألة مسألة إما التزام بالحد الأدنى من الأخلاق أو السقوط الأخلاقي؛ فالحذر الحذر من خطورة ازدهار ثقافة الكراهية ومسبباتها والترويج لها أو الإسهام بقدر كبير أو صغير في نمو ورعاية تلك الآفة لأن ذلك بالتأكيد قد يدفع بالكثير إلى مراجعة مواقفهم خوفا من سيناريوهات مرعبة قادمة. هذا إذا كنا مخلصين بصدق وحريصين على بلوغ الهدف الذي قدم شعبنا التضحيات الجسيمة من أجله.

متابعة الإعلام اليومي لتطور التحقيق في القضايا والجرائم والمخالفات التي تهز الرأي العام ضرورة لإدامة الثقة بالأجهزة ووأد الإشاعات وتعزيز إيمان الناس بعدالة المجتمع ونزاهة المسؤولين.

اللجوء لبديل منع النشر في القضايا التي تهم الرأي العام لا يعني بالضرورة توقف الناس عن تناول هذه القضايا واختلاق قصص وروايات قد تشوه الوقائع وتذهب بالخيال الشعبي بعيدا عن مجريات الامور، ما قد يوقع الأذى ببعض الأبرياء وينال من سمعة آخرين بغير وجه حق.

في الولايات المتحدة والعالم الغربي تتصدر أخبار الجرائم وتفاصيل ارتكابها والتحقيق بها موضوعات وقصص نشرات الأخبار في المحطات التلفزيونية المحلية.. في كل مرة تعرض فيها الجرائم وأخبارها يتعرف الناس على مجتمعهم ونوعية الخارجين على القانون والظروف التي أدت الى انحرافهم إضافة الى تقدير الجهود التي تقوم بها الأجهزة وحتى الأشخاص العاملين في التحقيق وكشف الغموض وإلقاء القبض والملاحقة كما يتعرف السكان على مَواطن القوة ونقاط الضعف في النظام القضائي.

في تغييب الإعلام عن الجرائم وتفاصيلها تجاهل للرأي العام، فهو يحرم المواطن من الإسهام في حماية المجتمع والحفاظ على أمنه، ويحد من إمكانية الإفادة من مشاركة السكان في أعمال المراقبة والتعاون والتبليغ عن المخالفات والجرائم التي قد تقع في محيطهم، كما أنه يفتح الأبواب للتخمين والتشكيك في الإجراءات التي تتبعها المؤسسات ويقلل من فاعلية الردع لمن تسوّل له نفسه وتحد من أثر الإعلام.

إنّ قمع الإنسان وحرمانه متعة الاستمتاع بفرديته (وحَتَّى فردانيته)، قد حرم المجتمع والدولة من عنصر إثراء مهم، الأخطر أنّه أدّى إلى عزلة هذا الإنسان وسهّل انسحابه من الفضاء العمومي. وهو إذ يجد نفسه متضائلًا ومتلاشيًا، فإنّ هذا الشخص ينسحب إلى الفضاء الخاص ليمارس حريته التي اقتصرت على رغبته في طلب المتعة الجنسية بعد أنْ استحال إلى كائن إيروتيكي، أو كائن مقموع لا يرى سبيل لمقاومة السلطة السياسية إلاَّ بتفنيد مبادئها الاخلاقية المفروضة عليه جبرًا في الفضاء العمومي. هنالك نوعًا من التبادلية، فكثيرٌ من القيادات هرعت إلى الفضاء العمومي للتداوي من عاهات أخلاقية أو علل اجتماعية.

اشهر هؤلاء كان واحدًا من القيادات المايوية التي تلجأ إلى تعذيب المعتقلين، دفنهم أحياء، أو إساءتهم وتعمد التنكيل بهم متى ما انقشع غبار المعركة وبردت الذخيرة. هذه الطغمة الحاكمة الفاسدة التي تقود سفينة الهلاك في وسط أمواج تحمل في طياتها أشباه أشباه الرجال، الذين عقدوا الاتفاق مع أعداء الأمة على تفتيتها وتمزيقها، وتحوير فكرها، واغتيال أحلامها، فلم يرحموا عالمًا ولا جاهلًا، ولا كبيرًا ولا صغيرًا، ولا نساء ولا رجالًا إلا أدخلوهم في أقبية سجونهم، بحجة كذبة القرن (التطرف الإسلامي)،
أما العنف اللفظي الشائع على المنصات الاجتماعية فلا يأخذه فيسبوك على محمل الجد، إذ يعتبره مجرد سعي من بعض المستخدمين إلى التفريغ، ظنا منهم أنهم غير مسؤولين أثناء الحديث في منصات التواصل الاجتماعي.

تبعا لذلك، فإن التهديدات التي يجري إطلاقها على موقع التواصل الاجتماعي غير ذات مصداقية، إلا حين يكون ثمة ما يظهر أن الأمور تتجه لتسلك منحى مغايرًا وأن هناك ما يؤكد تصميما على إلحاق الأذى.

لكن هناك مجموعة من الفئات في حال تعرضت لتهديد من أي محتوى، لا بد من مسحه فورا، وهم: رئيس الدولة، وموظفو الرئاسة، ومرشحو الرئاسة، والموظفون في هيئات تنفيذ القانون، والشهود في القضايا، والأشخاص المعرضون للاغتيال، والناشطون، والصحافيون، إضافة إلى الجماعات المحمية دوليا مثل المشردين واللاجئين. أما على مستوى الأفراد الطبيعيين، فلا يتم مسح المحتوى التهديدي الموجه إليهم لأن التهديدات على الإنترنت تعتبر غير جادة، وهي محاولة للتنفيس عن الغضب.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
المزيد في هذه الفئة : « دبلوماسية المؤتمرات