دمغة موارد

  • حسن البطل
  • الخميس, 05 مايو 2016 14:40
  • نشر في حسن محمد البطل
  • قراءة 739 مرات

بقلم حسن محمد البطل

الحمد لله ، وافق القائد على منحه إجازة قصيرة بعد إلحاح طويل ، أظن أن كشف العيلة قد قبلوه الآن . بالتأكيد سيجد كل شيء قد انتهى في مكتب التعبئة والتجنيد ، ليس من المعقول بعد كل هذه الأشهر من التأخير أن يجده لم يصل .

لقد كانت سنة ثقيلة عليه ، بالرغم من تجنيده في نفس الدفعة مع شقيقه الأصغر إلا أنه لم يؤجل أداء الخدمة العسكرية ؛ إنها حتمية لا مفر منها .. إذا جاءك الموت خذه أولا ، عبارة كثيرا ما تتردد في الجيش ،

لم يكن يدري أن الموت سيلقى شقيقه أولا ، لا يمكن أن ينسى أبدا سؤال حضرة الصول له في طابور الصباح : هل والدك موجود ؟ ما عدد إخوتك ؟ ساعتها أحس برعدة في جسده أو ربما كانت الأرض هي التي تهتز تحت قدميه ؛ فقد أيقن أنه فقد عزيزا ، و هل كان له عزيز سوى أخيه الوحيد ؟

عاودته تلك الأحزان من جديد .. لقاؤه بأمه .. تعلقها بعنقه وهي تنتحب ، تخاف لو أطلقته من أحضانها لفقدته هو الآخر ، عيناها اللتان تتابعانه في لهفة إذا خرج من الدار أو عاد .. انتظارها المتلهف كلما غاب برهة .

كان من اللازم ترك الخدمة العسكرية بأسرع وقت رغم أنها اقتربت من الانتهاء ، لا يمكن لأمه أن تحتمل فراقه الآن ،، حتما قد استجاب الله دعاءها ليبقى إلى جوار قلبها المكلوم .

يشق القطار ظلمة الليل ، لكن شوقه وآماله أسرع ؛ يمر الوقت كأنه يزحف ، أخذ يمشي داخل القطار .. سمع صوت البائع ينادي : " سندويتش جبنة .. عيش و جبنة " فتراجع عن طلبه واحدا منها خشية أن يعطله الأكل عن الوصول بسرعة ، فوقف عند باب القطار يستقبل أضواء قريته الخافتة.

أخذ يمد قدمه ليتحسس الرصيف الذي كان يطارده القطار حتى أدركه ، فلم ينتظر وقوف القطار فوجد نفسه على الأرض يجري إلى جوار القطار ثم يدفعه بيده .. يمشي في طرقات القرية الضيقة لا يؤنسه سوى صوت خطاه .. لم يتكلف سوى طرقات يسيرة ليعود إلى ذلك الدفء الذي ينتظره .

مرت ساعات الليل المتبقية بطيئة يتعجلها .. كان أول الواقفين أمام مكتب التعبئة ، أخيرا أقبل حضرة الصول المسؤول . يفتح الباب على مهل .. يتحرك في بطء شديد يأخذ جلسته متأخرا إلى الخلف .. خيرا .

يسأل حضرة الصول عن طلبه ، فيخبره أن المندوب كان في منطقة التجنيد بالأمس و معه الخبر اليقين .. ينتظر المندوب .. مع كل وقع أقدام على الدرج يخفق قلبه .. حتى طالعه المندوب بالتحية .. وقبل أن يسأل بادره المندوب قائلا : للأسف يا دفعة ، أوراقك رجعت .. ناقصها دمغة تنمية موارد بعشرين قرشا .

فتح فمه وعينيه .. لم يستطع نطقا .. سار في بطء شديد .. يتلفت تجاه لافتة المكتب يقرؤها من جديد .

حسن محمد البطل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)