أحجار الدومينو ورقعة الشطرنج

  • د. جمال عبد الجواد
  • الخميس, 01 فبراير 2018 09:39
  • نشر في أقلام وآراء
  • قراءة 45 مرات

أحجار الدومينو ورقعة الشطرنج

للعلماء الأمريكيين إسهام كبير فى تطوير علوم السياسة بفروعها المختلفة.

استخدم العلماء الأمريكيون الألعاب كنماذج واستعارات تقام عليها نظريات تفسر السلوك السياسى والعلاقات بين الدول. استخدم بعضهم لعبة أحجار الدومينو ليبنوا عليها نظرية فى العلاقة الدولية، عندما يتم رص أحجار الدومينو الواقفة رأسيا واحدا بعد الآخر على مسافات متقاربة، فإن سقوط أول حجر منها يؤدى إلى سقوط الأحجار كلها، وإلى إطلاق كرات تتدحرج، وتشغيل تركيبات ميكانيكية مترابطة، فى مشهد يمكن أن يكون بديعا أو مضحكا أو مدمرا. هذه هى اللعبة، والمهم فيها هو أن سقوط حجر واحد من أحجار الدومينو يطلق سلسلة طويلة من التفاعلات.

كان لنظرية أحجار الدومينو شعبية كبيرة فى زمن الحرب الباردة. حذر السياسيون وعلماء السياسة الأمريكيون من أن سقوط بلد واحد فى يد الشيوعية، يقود إلى توالى سقوط البلاد المجاورة. كانت جنوب شرق آسيا هى المنطقة التى شهدت التطبيق الأكثر شهرة لنظرية الدومينو. تكاتفت الدول الشيوعية ـ الصين والاتحاد السوفيتى وفيتنام الشمالية - لتمكين الثوار الشيوعيين فى فيتنام الجنوبية من إسقاط نظام الحكم الموالى للغرب. خشى الأمريكيون من أن سقوط فيتنام الجنوبية فى قبضة الشيوعية سيؤدى إلى سقوط دول أخرى فى جنوب شرق آسيا فى نفس المصير. كانت الحرب تدور فى فيتنام، فيما كان الأمريكيون يفكرون فى إندونيسيا وكمبوديا ولاوس وتايلاند والفلبين وميانمار وماليزيا وسنغافورة.

تدخل الجيش الأمريكى لحماية النظام الحاكم فى فيتنام الجنوبية. ثلاثة ملايين شخص، منهم 58 ألف عسكرى أمريكي، ماتوا فى حرب حاول فيها الأمريكيون منع سقوط الحجر الأول من أحجار الدومينو. أنهى الأمريكيون الحرب، وانسحبوا من فيتنام فى يوليو 1975. سقطت فيتنام الجنوبية فى يد الشيوعية، وسقطت بعدها كمبوديا ولاوس أيضا، فيما بدا وكأنه دليل على صحة نظرية الدومينو. لكن التوسع الشيوعى توقف عند هذا الحد، ولم يكن مصير تايلاند والفلبين وماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا مشابها لمصير فيتنام ولاوس وكمبوديا، فيما يمكن اعتباره تحديا لنظرية الدومينو.

قاد هنرى كيسنجر عملية إخراج الولايات المتحدة من المستنقع الذى أغرقت فيه نفسها فى فيتنام. توقع كيسنجر ـ مثل الآخرين - سقوط بعض دول جنوب شرق آسيا فى يد حكومات شيوعية، لكنه ـ على عكس الآخرين - لم يأبه لذلك. شكل الحكم فى بلد ما، والعقيدة السياسية التى يتبناها حكام هذا البلد ليست بالأمر المهم من وجهة نظر أنصار الواقعية، ومنهم كيسنجر؛ والذين يؤمنون بأن الدول تبحث عن مصالحها بغض النظر عن الإيديولوجيا، التى لا تزيد عن كونها طريقة للتبرير وتعبئة الأنصار.

خشى الأمريكيون - قبل كيسنجر - من أن قيام حكومات شيوعية فى دول جنوب شرق آسيا سيؤدى إلى ظهور كتلة وحلف كبير معاد للولايات المتحدة فى هذه المنطقة. جاء كيسنجر ليقول إن الدولة تشعر بالتهديد الذى يمثله جيرانها الأقربون، أكثر من شعورها بالتهديد القادم من الغرباء البعيدين. اتهم كيسنجر القائلين بقيام تكتل شيوعى معاد لأمريكا فى جنوب شرق آسيا بالمثالية والسذاجة الإيديولوجية، فالغيرة والتنافس والتهديد المتبادل ستظل هى القاعدة الحاكمة لعلاقات الجيران حتى لو اتفقوا فى العقيدة السياسية.

العلاقات بين الدول لا تشبه الدومينو ـ يقول الواقعيون - ولكنها تشبه رقعة الشطرنج، حيث تحيط المربعات البيضاء كل مربع أسود من جميع الجوانب، بالضبط كما تحيط المربعات السوداء كل مربع أبيض من جميع الجوانب، فى دلالة على التنافر الذى يقوم بين الجيران، ولشرح ميل الدول للصراع مع الجيران والدول القريبة، فيما تفضل التحالف مع الدول البعيدة جغرافيا. بينت الأيام صحة وجهة نظر كيسنجر وأنصار الواقعية السياسية، فالعقيدة الشيوعية المشتركة لم تمنع نشوب الحرب بين فيتنام والصين، وبين فيتنام وكمبوديا؛ كل ذلك طبعا بعد أن كانت الصين الشيوعية قد فضت تحالفها مع الاتحاد السوفيتى القريب، وتصالحت مع أمريكا البعيدة.

نظرية رقعة الشطرنج تشرح بعضا مما حدث فى التاريخ القريب للشرق الأوسط، فالقرب الجغرافى والتشابه الثقافى والإيديولوجى لم يعصم الدول العربية من التصارع فيما بينها. الصراع بين الجارين البعثيين سوريا والعراق؛ الصراع والتنافس بين النظم التقدمية الناصرية والبعثية؛ التحالف بين سوريا البعثية وإيران الإسلامية؛ الصراع المستمر بين المغرب والجزائر؛ تفضيل التحالف مع أمريكا البعيدة على التحالف مع الجيران العرب ـ هل نذكر مصير إعلان دمشق؟

نظرية رقعة الشطرنج تساعد فى فهم بعض مما يجرى حولنا. الصراع بين قطر وجيرانها الخليجيين يجعل الخليج أشبه برقعة الشطرنج المنقسمة بين الأبيض والأسود. تحالف السودان مع تركيا البعيدة ضد مصر القريبة. ربما كان للأمر بعض الصلة بالتوجهات الإخوانية لنظام البشير، لكن، باستثناء سنوات حكم جعفر نميري، ألم تكن علاقات مصر والسودان متوترة أغلب الوقت منذ استقل السودان عام 1956؟ ألا تساعدنا نظرية رقعة الشطرنج فى فهم أسباب هذا التوتر المزمن؟

لا داعى لإبداء الدهشة، أو للشعور بأننا الضحية البريئة سهلة الافتراس من جانب الحلف التركى ـ السوداني. فقبل التطورات السريعة فى علاقات تركيا والسودان بزمن طويل كانت مصر تتعاون بشكل وثيق فى مجالات اقتصادية وعسكرية مع اليونان وقبرص، ردا على التدخل التركى فى شئوننا. لقد نجحت مصر فى محاصرة المربع التركى الأسود، بمربعات بيضاء حليفة، فى تطبيق ناجح لنظرية رقعة الشطرنج.

تساعدنا نظرية رقعة الشطرنج فى فهم سلوك الدول الآن وفى الماضي، وقد ترشدنا لما قد يحدث فى المستقبل، وما يمكننا أن نفعله إزاءه، بالضبط كما أرشدت كيسنجر والولايات المتحدة فى فيتنام. تسعى إيران لتأسيس تكتل من الدول الشيعية، وهو ما سماه العاهل الأردنى بالهلال الشيعي. لكن علاقات الدول لا تقوم على العقيدة، والدول المتجاورة تتبادل التهديد، بدلا من الدخول فى تحالفات. قيام تحالف عراقى ـ إيرانى قوى وبعيد المدى، هو أمر مستبعد.

سيظل العراق شيعيا، لكن من غير المرجح له أن يكون جزءا من حلف شيعي. تمرد العراق على الهيمنة الإيرانية يكسر التواصل الجغرافى للهلال الشيعي، ويقوض هذا التكتل الذى استثمرت إيران فيه الكثير. هذه هى نبوءة رقعة الشطرنج.

بقلم: د.جمال عبد الجواد

قيم الموضوع
(0 أصوات)