الثابت والمتحول على الفيس بوك..!

  • سمير الشحات
  • الخميس, 01 فبراير 2018 09:21
  • نشر في أقلام وآراء
  • قراءة 35 مرات

على الرغم من السلبيات التى لا حدود لها لتطبيقات الفيس بوك والتويتر والانستجرام وغيرها من مواقع التواصل على ذهنية ورؤية الناس العاديين للحياة والواقع، فإنه من الممكن الحديث عن إيجابيات - لا حدود لها أيضًا - على هذه الذهنية وتلك الرؤية، ومن بينها على سبيل المثال أنها جذبت الكثيرين من البسطاء إلى القراءة، حتى لو كانت قراءة مختزلة سريعة عشوائية غير منضبطة.

ولقد بات من الشائع اليوم أن ترى معظم الناس- إناثًا وذكرانًا وصبية ومن كل الطبقات- منخرطين حتى الاستلاب فى متابعة ما تبثه تلك المواقع من معلومات فى كل اتجاه على أجهزة الموبايل حتى لم يعد ممكنًا تصور حياتهم بدون هذا الانخراط وذاك الاستلاب. وهكذا لم يكن من الغريب إطلاق مصطلح «صحافة المواطن» على هذا الذى يتم بثه وترويجه، وذلك فى تمييز له عما تمتلئ به وسائل الإعلام والصحف التقليدية المعتادة.

ومع ذلك فإن ثمة تأثيرًا آخر ربما لم يلتفت إليه الكثيرون تتعرض له هذه الأذهان المستغرقة الغائصة فى الفيس بوك حتى الأذقان، ألا وهو بدء تحطيم الثوابت التى ظلت راسخة فى الضمائر والعقول لمئات السنين؛ بدءًا من كيفية لفّ محشى ورق العنب وتسويته، وصولًا إلى السياسة وأسرارها الخفيّة، وليس انتهاءً بثوابت العقيدة والدين والأعراف والأخلاق والتقاليد.

قديمًا طلب منا الفيلسوف الفرنسى الأشهر رينيه ديكارت (المتوفى فى عام 1650 وصاحب مقولة أنا أشك إذن أنا موجود) الشك فى كل شيء وأى شيء حولنا لا يساير المنطق السليم، ودعانا إلى دلق كل التفاح الموجود فى سلة تفاح ذاكرتنا وإعادة ملء السلة بما هو منطقى فقط. فهل يمكن المغامرة بالقول إن دعوة فيلسوف الشك هذا تدخل حيز التطبيق الآن من خلال الفيس والإنستجرام والتويتر وفيديوهات الأون لاين؟

ستسأل: وهل هذا بذمتك ودينك تأثير إيجابي؟ والإجابة هي: إن فى ذلك تأثيرًا إيجابيًا وسلبيًا فى الوقت ذاته.. وإن كانت إيجابياته أكثر من سلبياته. كيف؟ ببساطة لأن ثقافة القطيع التى درج عليها العامة من الناس طوال الزمن باتت تلفظ الآن أنفاسها الأخيرة. ولو أنك تابعت تعليقات الناس العاديين على ما تبثه المواقع من أخبار ومعلومات لوجدت ما يشبه الفوضى الخلّاقة والشك فى كل شيء، ولم تعد فضيلة الشك التى دعا إليها ديكارت مقصورة على المثقفين وحدهم وإنما امتدت إلى كل من هبّ ودبّ.. وهذا شيء - فى حسباننا- صحى ومفيد!

لماذا؟ لسببين، وربما لثلاثة أسباب. أولها أن الزمن الآن غير الزمن أيام زمان، إذ الزمن فى هذه الأيام زمن علم ومعرفة، وكما هو معروف فإنه (لا علم بدون شك). إن العقل المبنى على العلم عقل انتقادى شكّاك ورافض بطبيعته، وما مرجع خيبة الخائبين منا إلا قبولهم الأمر الواقع كما هو بلا تمحيص ولا مراجعة بينما كانت بداية الناجحين النابهين فى الغرب المتقدم هى استمساكهم بالمنهج العلمى فى التفكير.

السبب الثاني، أن الشك يطرح أمامك بدائل عدّة تختار منها ما شئت حسب طبيعة مجتمعك وتقاليدك وحضارتك.. فإن لم يعجبك هذا البديل فأنت حر فى التوجه إلى بديل آخر.. وهذا هو لب التقدم وجوهره. وهنا قد تتحذلق سيادتك فتتساءل: وهل يمتد هذا أيضًا إلى ثوابت الدين؟ والإجابة ببساطة هى أن الدين نفسه (الدين الحق) هو الذى يحثنا على إعمال العقل (أفلا يعقلون / أفلا يبصرون/ أفلا يتفكرون..). إنك- وأنت فى حضرة الفيس بوك- تكون أمام خيارات وتصورات لا حد لها.. فاختر لنفسك ما شئت.. أو شاء لك الهوى!

وأما السبب الثالث، فهو أنك مع الفيس بوك وشقيقاته صرت حرًا حرية مطلقة، إذ لا رقيب عليك إلا عقلك وضميرك وقدرتك العقلية، وأنت وحدك الذى سيدفع ثمن اختياره، وتلك بداية جيدة جدًا لتحمل المسئولية، حيث لا حرية بلا مسئولية.. وليس خافيًا أنك عندما توضع فى المحك الحقيقى بعيدًا عن أى سلطة من أى نوع (دينية/ أو سياسية/ أو اجتماعية يفرضها العرف والثوابت القديمة) فإنك ستخشى الوقوع فى الخطأ لأنك وحدك من سيتحمل النتيجة.. وهذه بداية نضوج الشخصية.

إن تفكيك ثوابت العقل والثقافة مطلوب بين الحين والحين مهما تكن ضآلة تلك الثوابت.. وإن أردت التحقق من تلك الحقيقة فاسأل أى ربة بيت تتابع على الفيس كيف تطهو النساء الأخريات الطعام.. وكيف يربين الأبناء.. وكيف يعاملن الأزواج..

ولسوف يذهلك حجم التغير الذى طرأ على طهى هؤلاء النسوة وعلى سلوكهن مع الزوج والأبناء.. فما بالك لو أن هذا التأثير امتد إلى كل الثوابت الأهم المحفوظة عن ظهر قلب دون تمحيص؟

هذا عن الإيجابى فى مسألة الثابت والمتحول على الفيس بوك.. فماذا عن السلبي؟ ياااه.. السلبيات لا أول لها ولا آخر، وأهمها على الإطلاق أن مستخدمى الفيس ليسوا جميعًا من ذوى النيات الحسنة.. ومن ثم قد يستخدمون الفيس لتخريب العقل الجمعى للأمة والعقل الفردى بحجة الحرية والاختيار والمسئولية وهذا الكلام الكبير.. فإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة أن الطفل - لأنه طفل- غير قادر على الاختيار أصلًا.. فإن المصيبة تكون أعظم.. فما الحل؟

هنا يأتى دور المثقف. ومادام الفيس بوك صار فى يد المثقف وغير المثقف فإن مسئولية قادة الوعى بالمجتمع أصبحت أكبر. ولعل من الأمور التى لم تعد تخفى على أحد ذلك الانصراف المتنامى عن وسائل الإعلام والصحف التقليدية وهو ما يجب إيقافه لأنها (أى تلك الوسائل التقليدية) هى المعادل الذى يضمن توازن الكفة، فنكون بذلك قد جمعنا بين الحُسنيين.

بقلم: سمير الشحات

قيم الموضوع
(0 أصوات)