التسامح الشائك والثقافة البليدة

  • محمد أبو الفضل
  • الخميس, 11 يناير 2018 08:33
  • نشر في أقلام وآراء
  • قراءة 17 مرات

الدور الذى تقوم به وزارة الثقافة كبير ومتشعب، وتقع على عاتقها مهام التنوير الحقيقي، وتستطيع أن تكون منبرا للفكر الحر، كما كانت فى أوقات كثيرة، إذا توافرت لديها الإرادة والعزيمة والرغبة والاستفادة من الفرصة الراهنة التى تستعيد فيها مصر عافيتها العامة، وتولى قدرا كبيرا من الاهتمام لقوتها الناعمة.

للتسامح مفاهيم كثيرة، أهمها قدرة المواطنين، بشتى انتماءاتهم الدينية، على التعايش دون عقبات أو مطبات، لكن الثقافة البليدة تسمح بمرور افتراءات، لا تؤثر فقط على فكرة التسامح التى تتمسك بها مصر، بل تضر بالنسيج القوى للوطن، وتسمح للزبانية والإرهابيين بالقفز على الجدران المتماسكة، ومحاولة تخريبها.

المثير أننا أحيانا، نمنح هؤلاء الفرصة، نتيجة إهمالنا عن عمد أو جهل، وفى الحالتين المصيبة عظيمة، خاصة إذا كان هناك موظفون يكابرون ويمتنعون عن أو لا يرغبون فى التصويب.

وصلتنى رسالة من الدكتورة حنان سعيد السيد مدرس علم النفس بكلية الآداب جامعة الاسكندرية، سأتركها كما هي، لأنها معبرة عما نعيشه من تناقضات:

فى أثناء إعداد دراسة عن التسامح، صادفنى كتاب من إصدارات الهيئة المصرية العامة للكتاب، مترجم إلى العربية، اسمه «أعداء الحوار أسباب اللا تسامح ومظاهره»، تأليف مايكل أنجلو ياكوبوتشى، وترجمة د. عبد الفتاح حسن.

الكتاب يتحدث عن التسامح من منظور دينى وفلسفى وأخلاقى.. وأنا أكاديمية ومتخصصة فى علم النفس، لفت نظرى ورود أخطاء فى السياق الدينى، مما يؤدى إلى المزيد من الالتباس.

إذا تم ذلك عن جهل من المؤلف الأجنبي، كان يجب على المترجم المصرى التعقيب والتصحيح، دون إخلال بالنص الأصلي، وعدم ترك المحتوى كما هو، لأن الأخطاء جسيمة، ويمكن أن تتسبب فى مشكلة، تتجاوز حدود الثقافة، فهذا النوع قد يؤدى إلى الفتنة، ويمنح المتشددين مبررا للتطرف.

بوصفى باحثة أطالب بمراجعة الكتاب وتشكيل لجنة من متخصصين فى الديانات القبطية واليهودية والإسلامية، فضلا عن الفلسفة، وتصويب الأخطاء فى الهوامش، إذا أقرت اللجنة بوجودها.

وأورد لكم أمثلة من المعلومات الخاطئة التى رصدتها. ففى صفحة 130 يقول المؤلف: إن أمر ابراهيم بذبح ولده إسحاق، وتحويل امرأة لوط إلى تمثال من الملح يؤكدان الأمر نفسه الذى لا لبس فيه «الطاعة دون تحفظات».

هل أمر الله سيدنا إبراهيم بذبح إسماعيل أم اسحاق؟ ألا يستحق ذلك تعقيبا من المترجم، لأن القرآن حسم هذه المسألة؟ وهل تم تحويل امرأة لوط الى تمثال من الملح أم الحجارة والصخور، لا تحتاج إلى وقفة؟

فى صفحة 285 «يا إلهى.. ألا تدركون أن أمثال أسامة بن لادن يعتقدون أنهم مسموح لهم بقتلكم وقتل أطفالكم لأنكم تشربون الخمر والنبيذ ولأنكم لا توفرون لحاكم ولا تلبسون الشادور بل البرقع، ولأنكم تذهبون الى المسرح والسينما ولأنكم تستمعون الى الموسيقى وتغنون الأغاني، ولأنكم ترقصون فى صالات الديسكو أو فى بيوتكم، ولأنكم تشاهدون التلفاز ولأنكم تلبسون الجيبات القصيرة والبناطيل القصيرة، ولأنكم تكونون عرايا أو شبه عرايا على الشواطئ أو فى حمامات السباحة، ولأنكم تمارسون الجنس عندما وحيثما ومع من يروق لكم».

هذا الخطاب يؤجج الفتن بين المسلمين والغرب ويساهم فى اندلاع المزيد من الاحتقانات. طبعا من المهم معرفة كيف يفكر الناس، لكن من المهم أيضا أن نختار السياق الذى نورد فيه هذا النوع من الأفكار التى قد تمنح الفرصة للمتشددين للامعان فى تطرفهم.

الغريب أن صفحتى 290 و291 حوتا كلمات فى غاية الخطورة، حيث يقول المؤلف «وبالمثل أيضا فأمام كل آية فى القرآن تحث على الرحمة والشفقة يمكن أن نذكر آيات أخرى تحث على إبادة أعداء الله، وفى مواجهة كل موضع يحض على الكرم والإخاء يمكن أن نشير إلى مواضع أخرى للعنف والقسوة.. العقيدة الإسلامية مسئولة عن إذكاء الاتجاهات الراديكالية، والأعمال الإجرامية، حتى وإن كانت بصورة غير مباشرة وعن غير قصد». هل معقول يتم ترك هذه الجمل دون تعقيب من المترجم أو تصحيح يجلى الحقيقة؟

خذ هذه فى صفحة 292 «وحى محمد .. ولما ناهز العشرين من عمره عمل بالتجارة لدى أرملة غنية تزوجها فى النهاية، وقد أتاح له التغيير فى وضعه الاجتماعى وما تبعه من رفاهية أن يتفرغ للعزلة والتأمل لفترات طويلة».

هل كان الرسول محمد يعيش على كفالة السيدة خديجة، وهى التى جعلته مرفها وغيّرت وضعه الاجتماعي، أليس كان يتاجر لها ويسير مع قوافلها؟

وفى صفحة 296 يقول المؤلف: «طبيعة الله.. فالله هو إذن رب كل البشرية، هو رب اليهود ورب النصاري، وهو مع ذلك يقترب أكثر من المفهوم الوثنى للإله الواحد غير المعروف، والبعيد عن الأحداث الإنسانية أكثر من كونه يشبه يهوه أو أبانا الذى فى السماء الواحد والثالوث..».

لماذا كل هذا التداخل فى المفاهيم؟ لماذا لم تنتبه وزارة الثقافة إلى هذا الكلام وتركته يمر مرور الكرام، دون تصحيح على الهامش؟

فى صفحة 300 قال المؤلف: «ففى كثير من البلدان الاسلامية، بحوض البحر الأبيض المتوسط يمكننا أن نجد آثارا قوية لتلك الحضارة التى يطلق عليها صديقى الأثرى وبعاطفة كبيرة (حضارة الحمار)، فلم تصل هنا حركة الإصلاح، أو حركة الإصلاح المضاد، ولا الثورة الفرنسية، ولا الثورة الصناعية، فالناس تواصل ذهابها إلى الحمامات العامة..».

أنا لست متخصصة ولم أستطع تكملة فحص الكتاب، لكن هالنى ما رأيت من تشويش ودس للسم فى العسل، وإن كنا نريد حقا تجديد الخطاب الدينى لابد من تفنيد الافتراءات التى يثيرها مثل هؤلاء بالدليل القطعى وترجمة الرد إلى الإنجليزية ونشره فى المحافل العلمية ومراجعة الترجمات المختلفة للتراث الدينى والفلسفى والسياسى والفكرى حتى لا نكون كمن ينتحر بيده.

انتهت رسالة الدكتور حنان سعيد، لكن الكلام عن مضمونها لن ينتهى إلا بعد إجراء التصويب اللائق، علميا ومهنيا، فالكتاب لا يزال على أرفف الهيئة العامة للكتاب.

محمـد أبـو الفضـل

قيم الموضوع
(0 أصوات)
المزيد في هذه الفئة : « أسئلة للعقل الثقافي المصري