أسئلة للعقل الثقافي المصري

  • أحمد الجمال
  • الخميس, 11 يناير 2018 07:48
  • نشر في أقلام وآراء
  • قراءة 20 مرات

كيف نسعى ليكون عام 2018 وعاء لفعل ثقافى مصرى يؤسس لصحوة إحيائية تنهى بلا رجعة غفوة التخلف الثقافى وغطيط الاستسلام للانحطاط الفكري، الذى تلحف بأغطية التدين تارة والتراث أخرى والجمود الأيديولوجى ثالثة؟!

كيف نجمع شتات جهودنا المتناثرة المتقطعة فى مجال بناء الإنسان ثقافيًا وفكريًا ليبقى عقله يقظًا فاهمًا ناقدًا بناءً، وليصير وجدانه متصالحًا مع الحقائق الصحيحة فى المكان والزمان، وليكون هو كله إنسانًا محصنًا ضد كل ما هو غير إنسانى متحضر، ومبادرًا بالتصدى لما ولمن يساهم فى تخريب المهمة الإنسانية الأولى التى تلقاها الإنسان من خالقه عند التكليف الأول، وهى مهمة إعمار الأرض! وإشاعة المحبة والسلام؟!

كيف ننتقل من خانة المشاريع النظرية المكتوبة بإحكام على الورق، ومن مربع المحافل الكلامية التى تقتصر على بعض المثقفين الذين لا يطيقون الاستمرار فتتقلص أعدادهم وتهبط همة من تبقي، لتصبح المشاريع والمحافل أطلالًا لا حياة فيها، ومادة أرشيفية نادرًا ما يستدعيها أو ينظر فيها أحد إلى ساحات الفعل المباشر فى المكان الذى هو مصر كلها، والزمان الذى هو أسرع من كل هرولة، لنفعل ولو بأحجام صغيرة، ولكنها متراكمة محكمة التخطيط غير منفصلة عما قبلها وبعدها لتعلو مداميك حوائط الصد الثقافية والفكرية ومن ثم الحضارية؟!

ولماذا نحن فى مجال الفكر والثقافة بارعون فى التشخيص وكتابة الوصفات فقط، ولم نبرع فى اكتشاف واختراع وصنع الدواء والتحكم فى جرعاته وملاحظة آثاره الإيجابية والجانبية، وإقناع الذين يحتاجونه بتعاطيه؟!

ثم لماذا لم يعمد أهل الاختصاص فى العلوم والآداب والفنون، وخاصة من يتصل تخصصهم بالتاريخ والاجتماع والأدب والنقد وعلم النفس الاجتماعى إلى رصد وتحليل مسار أفكار ومشاريع الإصلاح الفكرى والثقافي، التى طرحت فى مصر منذ القرن الثامن عشر الميلادى على الأقل، واستخلاص محصلاتها الإيجابية والسلبية واكتشاف ما أدى إلى إخفاقها كليًا أو نجاحها جزئيًا، وهل كان عوارها من صميم بنيتها أم من توقيت طرحها فجاءت سابقة لأوانها أو متخلفة عنه، وما القوى التى حملتها، وتلك التى ناوأتها وسعت لإجهاضها؟!

ولماذا لم تنشأ مدارس علمية رصينة فى كل فرع من فروع التخصصات الأكاديمية، ليتم تقنين مراحل التقدم فى تلك التخصصات، وليتم الحفاظ على معايير البحث ومناهجه وعدم السماح بالتسيب والترهل والجهالة، وهى أمور سادت حياتنا التعليمية والعلمية حتى أصبحت الجدية والالتزام مثارًا للتندر والسخرية، ولو أن تلك المدارس العلمية التى كان بعضها قد نشأ جنينيًا ونما إلى حد ما حتى مطلع السبعينيات استمرت، لأصبح لدينا شبكة متطورة تضم نقاطًا للاتصال والتواصل العلمى البحثى بين الفروع المختلفة، وبالتالى يصبح «العزف» جماعيًا وفق نوتة الإصلاح والنهوض الشامل؟!

ولماذا مات الجهد الأهلى إذا جاز التعبير فى عملية الإحياء، وإذا وجد فإنه فى بعضه شكلى يُبذل للوجاهة الاجتماعية أو لغسيل سمعة أصحاب أموال جنوها من حرام فى حرام، وفى بعضه الآخر محدود للغاية، ناهيك عن أنه كله بغض النظر عن شكله ومضمونه يفتقد تنسيقا شاملا ضمن خطة وطنية كلية تحدد الاحتياجات وكيفية الوفاء بها دون عشوائية أو هدر، ثم كيف نعيد للجهد الأهلى الفردى والمؤسسى لشركات أو جمعيات أو منظمات دوره الفاعل، ويكون له حضور معترف به ومقدر تقديرًا مناسبًا حتى وإن جاء صغيرًا؟!

ولأن مصر ليست مساحة معزولة فى أطراف الكرة الأرضية، ولا هى لقيطًا التقط من أمام بوابة التاريخ، لأنها فى قلب الأرض وهى صانعة التاريخ وحارسة أبوابه، فإن وجودها وتقدمها مرتبطان بعلاقاتها مع محيطها تأثيرًا وتأثرًا، وقد ثبت أن القوة الناعمة لمصر منذ التاريخ القديم نفذت إلى الشمال والجنوب والشرق والغرب، إذ لم يصبح الهللينى هللينستيا إلا بعد أن تأثر الإغريق والرومان بحضارة مصر وثقافتها الممتدة من العقائد الدينية إلى الفلسفة والرياضة والفنون.. وعلى ذلك ومع حقيقة علاقات التأثير والتأثر تلك فإن أى محاولة لصحوة إحيائية مصرية لابد أن تضع فى اعتبارها ما يجرى على صعيد الفكر والثقافة فى ذلك المحيط العربى والإفريقى والإسلامى والدولي، واكتشاف آليات التعامل معه، لأننا حتى هذه اللحظة، ورغم العديد من الكتابات التى رصدت انحسار الدور الفكرى والثقافى المصري، بل واستطاعة تيارات ثقافية بعينها اختراق حائط الصد المصرى وتشويه ملامح الشخصية الثقافية المصرية، إلا أننا لم نبذل جهدًا بحثيًا منظمًا فى رصد وتحليل واستخلاص دروس هذا التفاعل سلبى النتائج على مصر.

تلك أسئلة يختلط فيها التقرير بالاستفهام، وأظن أن الإجابة مطلوبة من العقل الثقافى المصرى فهل من مجيب؟!

أحمد الجمَّال

قيم الموضوع
(0 أصوات)