الفيس بوك والديمقراطية الكاذبة

  • فاروق جويدة
  • الأربعاء, 10 يناير 2018 00:09
  • نشر في أقلام وآراء
  • قراءة 9 مرات

كل شعوب الأرض حلمت من سنين بالحرية وكانت الديمقراطية هى الشعار الذى حاربت شعوب كثيرة من أجله لكى تعيش لحظة وتشعر فيها بالعدل والحرية والكرامة .. على مستوى الأشخاص هناك رموز عاشت لهذا الحلم وماتت فى سبيله وهناك من سقط رافعا راية الحرية حتى وأن لم يصل الى غايته .. وهناك شعوب طالت بها ليالى القهر وأزمنة الفساد وهى تناضل ضد عدو مغتصب أو حاكم ظالم او مستعمر استباح فيها كل شىء .. كانت الديمقراطية وسوف تبقى امل المهمشين والمقهورين من شعوب العالم يحلمون فى يوم من الأيام ان يشعر الإنسان فى وطنه انه صاحب حق فيه.. عبر عصور التاريخ المختلفة كان هناك شهداء للديمقراطية سواء تحققت احلامهم فيها وحصلت شعوبهم على حريتها او ماتوا قبل أن يصلوا الى هدفهم فى الحياة..

ولكن المهم فى ذلك كله ان الإنسان بعد قرون طويلة من العبودية وصل الى أهم حقيقة من حقائق هذا الكون أن الحرية حق إلهى منحه الله للإنسان وليس من حق أحد أن يسلبه منه، وعبر عصور طويلة كان المفكرون والكتاب والشعراء والمناضلون فى سبيل الحريات يقودون شعوبهم بالكلمة والرأى والفكر المستنير منهم من حقق حلمه ومنهم من سلم الراية إلى أجيال أخرى تكمل المشوار وتحقق الهدف والغاية .. فى عالمنا المتقدم هناك أسماء مهدت لهذا الحلم أمثال فيكتور هوجو شاعر فرنسا وروسو فيلسوف الثورة الفرنسية وفولتير زعيمها الروحى وطاغور فى الهند وغاندى وإقبال وسعد زغلول حتى وصلنا الى العصور الحديثة فى أوروبا وأمريكا اللاتينية حين ظهرت اسماء اخرى حملت للبشرية هذا الحلم..

منذ فترة بعيدة توقف هذا الموكب فى تاريخ البشرية ولم نعد نسمع عن مانديلا جديد او كاسترو آخر وتطورت الأحداث حتى قامت ثورات الربيع العربى وكانت التكنولوجيا الحديثة ومواقع التواصل الإجتماعى من الوسائل التى قامت عليها هذه الانتفاضات بين جموع الشباب، والغريب انها ظهرت فى دول فقيرة لم تأخذ من موجات التقدم غير هذه الأجهزة الحديثة التى اجتمعت ملايين الحشود على شاشاتها .. لم يشهد العالم بعد ذلك حركات اخرى وفى تقديرى ان السبب فى ذلك ان دعوات الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان أخذت طريقا آخر وهو وسائل التواصل الاجتماعى بين مئات الملايين من سكان العالم وأصبحنا نعيش بالفعل ديمقراطية الفيس بوك والإنترنت واليوتيوب وبقية هذه العائلة الجديدة التى فتحت عيون العالم على آفاق جديدة لم تعرفها البشرية من قبل وكان هذا انقلابا فى قضايا الإنسان ومشاكله ومطالبه فى هذه الحياة..

فى ظل الفيس بوك تحولت مطالب الشعوب الى سطور يكتبها الإنسان كل صباح على موقعه بالطريقة التى يختارها، انه ينتقد النظم الحاكمة ويقول كل ما يريد فى الساسة والحكام ثم يسمع ما يحب من الكلمات ابتداء بكلمات راقية وانتهاء بكل ما يريد ان يسمعه من البذاءات.

وعلى الفيس بوك فإن الإنسان لا يحتاج لشىء كى يعبر عن رأيه انه يكتب الشعر والقصة ويغنى وينتقد كل شىء بحرية كاملة دون ان يوقفه او يحاسبه احد بل الأخطر من ذلك ان هناك مجموعات تتبادل الآراء والأفكار وتنتقد الأديان فى نصوصها وشرائعها وتجد آلاف، بل ملايين الأشخاص يتحدثون فى كل شىء ثم ينتهى كل شئ إلى لا شىء .. ان الإنسان يستنفد كل طاقاته الفكرية والنفسية والعصبية وهو جالس فى مكانه بل انه يقوم بالزيارات والمجاملات ويشاهد هذا ويطمئن على كل صداقاته كل صباح .. انه لم يعد فى حاجة الى ان يترك بيته او يذهب لزيارة صديق انه يستطيع ان يجمع كل الأصدقاء حوله فى جلسه فرفشة تحكى فيها القصص والمغامرات والحكايا.

مع جلسات الفيس بوك فإن تبادل الأفكار أصبح مهمة سهلة للغاية وهناك مواقع الأن تروج للأفكار وتدفع بعض الدول الملايين للعاملين فى هذه المواقع إن معظم أفكار داعش كان مصدرها جماعات تروج وتنشر هذا الفكر المضلل حتى صناعة المتفجرات تجد من يعلمها وهناك جماعات أخرى تشوه صورة الإسلام برموزه وتاريخه ونصوصه كما أن هناك جماعات اخرى تدعو للإلحاد وينضم إليها الملايين من شباب العالم وهى تستعين بكل الأفكار التى تحقق هدفها فى المزيد من الشك والرفض والاعتداء على حرمة الأديان..

على مواقع التواصل الاجتماعى ترتكب جرائم اخرى فى المواقع الجنسية التى تشوه اخلاق الشباب وتقدم لهم زادا مريضا فى السلوك والأخلاق والقيم وهذه المواقع المنحرفة تستخدم كل الأساليب وكل الفنون وكل الصور التى تشجع الانحلال وتدعو للرذيلة .. ان الأخطر من ذلك هو تلك المواقع التى تجمع الشواذ من الجنسين من كل دول العالم حتى أصبحت لهم جماعات تدافع عنهم فى الإعلام وفى المجالس النيابية ومنظمات حقوق الإنسان.

إن هذا التقدم العلمى الرهيب فى وسائل الاتصال افسد على الشعوب أشياء كثيرة فى مجالات الفكر والإبداع والسياسة لأنه جعل كل شىء سهلا وأتاح للإنسان ان يشاهد العالم بكل ما فيه من الخير والفساد وللأسف الشديد أن الفساد كان الأعلى صوتا.

نحن الآن أمام نموذج جديد من نماذج الحريات.. فى زمان مضى كانت دعوات الديمقراطية تبدأ بحروب الشعوب المغلوبة على أمرها ضد الإستعمار وامتهان حقوق الإنسان وتنتهى عند مقال فى صحيفة أو إضراب عام أو تجمع فى الهايد بارك فى قلب لندن يتوافد إليه المفكرون وأصحاب الرؤى يعرضون أفكارهم ومواقفهم ومطالب شعوبهم فهل تنتهى هذه الصيغة من المطالبين بالحريات هل يكتفى العالم بهذا الضيف الجديد على وسائل التواصل الاجتماعي بحيث تعرض على صفحاته كل الأفكار والآراء والمطالب والأحلام دون وصاية من أحد .. لقد حققت هذه الوسائل الحديثة كامل الحريات للمعارضين والرافضين والثوار ولكن هل يمكن أن يغنى ذلك عن حقوق مشروعة للشعوب فى حريتها وحقوقها..

هناك أصوات طالبت بالحريات عبر شاشات التليفزيون والفضائيات سنوات طويلة ولم تصل إلى شىء لأن الهواء يذهب مع الهواء والدليل أن هذه العنتريات الفضائية لم تحقق لشعوبها شيئا فلا هى غيرت فكراً ولا هى أضاءت عقولا ولا هى استردت حقوقا مشروعة..

إن هذا يعنى فى تقديرى أن انتفاضات الفيس بوك والملايين الذين يتجمعون كل يوم على صفحاته لن يضيفوا الجديد إلى قضايا الديمقراطية والحريات..

إن هذه الوسائل الحديثة سوف تستنزف قدرات الإنسان لأن الذى يحدث فيها اليوم لن تراه غدا،ً إنها جهد ضائع وهواء يحلق بعيداً بعد أن يتحول إلى سطور أو صور أو كلمات .. إن الأخطر من ذلك كله هو تكدس الحضارات وليس صدام الحضارات او حوار الحضارات لأن العالم كله يتكلم فى وقت واحد ويسمع أصوات بعضه فى وقت واحد ولكن ليس هناك من يعلو صوته ليكون أكثر حكمة .. لقد نجح الرئيس ترامب فى انتخابات الرئاسة أمام صناديق الانتخابات وحصل على ملايين الأصوات وأصبح رئيسا مسئولا وهذا هو الأهم رغم انه يسقط كل يوم أمام بذاءات التواصل الاجتماعى وهذا يعنى أن الشعب الأمريكى اكتفى بالشتائم وأن الرئيس ترامب اكتفى بالحكم.

الخلاصة عندى أن العالم تغير وامتلك أساليب جديدة للحضارة غيرت الكثير من الأساليب التقليدية فى القبول او الرفض او حتى الاستنكار إن الشعوب الآن تتظاهر على الفيس بوك وتحصل على حرياتها كاملة فى كل شىء على الانترنت وتهاجم الحكام والمسئولين وأصحاب القرار ولكن هناك من اكتفى بالشتائم وهناك من ملك سلطة القرار وشتان بين من أدمن الكلام ومن أدمن الفعل..

لم تكتف ديمقراطية الفيس بوك بصرخات الاحتجاج والرفض والشتائم ولكنها حولت الإنسان الى كائن غريب يجرى وراء غرائزه ومطالبه إنه يبحث عن الطعام ويجد امامه آلاف الأنواع من الأطعمة انه يبحث عن الملذات وهى امامه على الشاشات من كل نوع، انه يمارس الفكر المشوه ويرى فيه الحداثة، ويستخدم المخدرات ويرى فيها طريقا للسعادة وقبل هذا كله هو قبل ان ينام يستطيع ان يشتم كل حكام العالم وترد عليه صرخات الملايين دون ان يحاسبهم احد، انها قوة زائفة وتأثير كاذب وإنسان تحول من الفكر والرفض والإبداع الى جزء من آلة رخيصة تحركه، وإذا انقطع تيار الكهرباء صار هو والآلة قطعة من الحديد لا نبض فيها ولا حياة .. كانت اجمل الأشياء فى حياة الإنسان حريته ولكنه الآن يشعر بمتعة شديدة امام استعباد آله صغيرة تحركه كيفما شاءت ولا يستطيع الاستغناء عنها، فى يوم من الأيام كان الإنسان عبدا فى سوق الرقيق ثم تحول الى عبد فى اسواق الاحتلال ثم صار عبدا فى سجون الحكام وهو الآن اصبح عبدا لهذه الآلة الصماء وهو يقف أمامها فاقدا الوعى والإحساس والضمير.

سوف يقول البعض إن هذه الوسائل الحديثة قد وصلت بالإنسان إلى آفاق غير مسبوقة فى التقدم والعلم والوصول إلى حقائق الأشياء ولكن المؤكد إنها خلقت إنسانا بطيئا كسولا مترددا لأنه فى الوقت الذى امتلك فيه الآله اكتشف انها امتلكته ولهذا لم يعد غريبا أن يعارض وهو جالس فى بيته وأن يغير كل شىء حسب رؤاه ولا شىء تغير وانه خلق لنفسه وطنا وعالما جديدا ونسى وطنه الحقيقى وعالمه الذى ينتمى إليه .. إن الإنسان صنع لنفسه وطنا حرا فى جهاز صغير ونسى أن حوله وطن سجين .. واكتفى بأن يصيح كل يوم على الورق حتى وان لم يسمعه احد غير نفسه وعدد من الرفاق شاركوه محنة الصمت والخوف والتواكل.

بقلم: فاروق جويدة

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)