جيل ابن أصول

  • سيد علي
  • الأربعاء, 20 سبتمبر 2017 17:18
  • نشر في أقلام وآراء
  • قراءة 35 مرات

لايعد تعاقب الأجيال فى مصر دليلا على التطور بقدر مايكون مؤشرا على التدنى والرخاوة وضياع الهوية، وليس ذلك من رومانسية النوستالوجيا لان مصر هى الدولة الوحيدة التى يحلم الناس فيهابالماضى بعودة الزمان، حيث كان الأمان والطمأنينة والرضا والدفء والعائلة واللمة وتوقير الكبير ورحمة الصغير والفروق بين الطبقات محدودة وكانت الساحات الشعبية مصنعا لابطال العالم واشتراكها بضعة قروش وقصور الثقافة خلايا نحل لاتهدأ, مسرح وموسيقى ومكتبات وفن تشيكيلي, وكانت أسطح المنازل مزارع دواجن تمد البيوت بالبيض واللحوم، وكانت القرى هى خط الدفاع الغذائى للحضر قبل أن يتريف وهى البلد الوحيد الذى لوعاد الزمان مائة عام لاصبحت من اجمل مدن العالم.

فقد كان الجيل الماضى يذهب لمدارسه مشيا على الأقدام فى عز البرد والحر، وكانت الامتحانات فى المقررات من الجلدة للجلدة، وكان الطالب الفاشل هو من يدخل مدرسة أو جامعة غير حكومية وكان ينسخ دروسه عدة مرات ولم ينهر من عقاب الاستاذ أو يتأزم نفسيا من ظروف العائلة أو قلة المال ولم يكن لديه الموبايل أو جوجل يسهل عليه الإجابة عن أى سؤال.

جيل ركب الأتوبيس ووقف فى طابور الجمعية للحصول على فرخة ولم تكن هناك سوبر ماركات ضخمة بها مئات الأنواع من الجبن المستوردة والشيكولاتات وهو جيل لافتة للإيجار والرواتب متقاربة لاتزيد على مائة جنيه تحقق الستر لاى أسرة سكنا ومأكلا وعلاجا وتعليما، وكان يستذكر على لمبة الجاز ويكتب بالقلم الرصاص ويمسح الصفحة ليكتب عليها مرة أخري، ويهاب المدرس ولايجرؤ على التدخين امام الأكبر سنا، ويقف احتراما له ويعمل فى الاجازات لتوفير مصاريف الدراسة ومن يحصل على درس خصوصى يتم زفته بالشارع، وهو الجيل الذى تربى وجدانه على ميكى وبطوط وبندق وعم دهب والحرامى دنجل وعصابته وكانوا واضحين يرتدون الاقنعة والفانلة المخططة، ولم يسمع أحد الفاظ «الروش على الصيع ولا المزه على الدلوعة، ولا الفهلوى على المختلس، ولا الكبير على زعيم العصابة» وكان فى نفس المدرسة ابن الوزير والغفير معا على نفس المقعد وربما ينسى البعض تصرف عبد الناصر عندما كسر أحد زملاء ابنه عبدالحميد ذراعه فى مباراة لكرة القدم فطلب غلق التحقيق واعتبار ماجرى مشاجرة عادية بين قرناء.

هو جيل طه حسين والعقاد وأنيس منصور وهيكل وموسى صبرى ومصطفى وعلى أمين والحمامصى والبابا شنودة وعبد الحليم محمود وأم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وفريد الأطرش وكمال الطويل وبليغ حمدى والموجى وتحية وسامية جمال ونعيمة عاكف وعمر الشريف وإسماعيل ياسين ورشدى اباظة واحمد زكى وعادل ادهم ومحمود يس وفاتن حمامة وناصر والسادات وأبوغزالة ومحمود فوزى ومصطفى خليل وعزيز صدقى وفؤاد محيى الدين ورفعت المحجوب وعلوى حافظ وعادل عيد وأبو العز الحريرى والدكتور المفتى والبنهاوى وفؤاد سراج الدين وإبراهيم شكرى وفتحى رضوان وحلمى مراد واحمد سمير وصفية المهندس وهمت مصطفى واسامة أنور عكاشة وإسماعيل عبد الحافظ وعمرو موسى وعصمت عبد المجيد وهاشم فؤاد واحمد بهاء الدين وخالد محيى الدين.

وهو الجيل الذى انتشر فى كل البلدان العربية لنشر الثقافة والتقاليد واللهجة المصرية فيها ومعهم بعثات من الازهر والتعليم والتمريض والطب والهندسة، فاحتلت مصر القلوب والعقول بالأغنية والفيلم والمسرحية والكتاب، وكانت القوة الناعمة وقتها أغلى ماتملكه مصر وهو الجيل الذى صمد فى 56 وصبر في67 وقام بحرب الاستنزاف ثم حقق النصر فى 73، وسالت دماؤه على رمل سيناء ليحررها، جيل كان المسيحيون يصومون رمضان ويحتفلون بالعيد الصغير والكبير، وكان المسلمون يحفظون أعياد الأقباط ويذهبون معا للاحتفال بمولد العدرا، وهو الذى شهد أمجاد سيناء ويعيش اليوم أوجاعها وهو الذى أحب كل شىء عندما كانت تلك الأشياء تشبه مصر ولكنها كانت.

بقلم: سيد على

قيم الموضوع
(1 تصويت)
المزيد في هذه الفئة : « عوالم الكتابة سابقة التجهيز