عوالم الكتابة سابقة التجهيز

  • نبيل عبد الفتاح
  • الأربعاء, 20 سبتمبر 2017 17:14
  • نشر في أقلام وآراء
  • قراءة 29 مرات

قليلة بل ونادرة هى الأسماء العربية المبدعة التى تم الاحتفاء بها على المستوى الكوني، أو فى الإطار النقدى الغربى على مستوى الإبداعات السردية، على الرغم من أن بعضهم تم ترجمة بعض أعمالهم إلى اللغات الكبرى، الإنجليزية والإسبانية والفرنسية والألمانية، ويبدو أن الاستثناء الأهم هو نجيب محفوظ، لأنه استطاع أن يؤسس لشرعية فن الرواية فى الأدب العربي، ولأنه انطلق من الفضاءات المحلية الحارة وعوالمها وطقوسها، وأبنية القوة والصراعات داخلها إلى طرح أسئلة الوجود والشرط الإنساني، والقيم المتنازعة، حول الخير والشر وما بينهما، والصداقة والحب والجنس والسلطة والقيم البطريركية وتحولاتها، وأضدادها ... إلخ، من تفاصيل الحياة فى واقع قاهرى محلي، إلى الهموم الكبرى. رغمًا عن الترجمات، والحصول على جائزة نوبل فى الآداب، إلا أن مستويات المقروئية، والذيوع بين الجماعات القرائية فى ثقافات العالم، ليست على النحو الذى يعتقده بعض منا، ومن ثم هو جزء من قائمة كبرى حصلوا على نوبل فى الآداب.

موهبة نجيب محفوظ استثنائية، فى إطار السرد العربي، وعالمية فى إطار الجغرافيا الثقافية للإبداع الروائى وهو ما أتاح له الحصول على الجائزة. ثمة أيضًا حضور للشاعر الكبير أدونيس وتجربته الشعرية التى تعرفت عليها بعض الدوائر النقدية الأوروبية، إلا أن بعض الأسماء الموهوبة عربيًا فى الشعر، والرواية والقصة، لم تحظ بالذيوع الذى يعتقد بعضهم أنه أهل له، ودائمًا السؤال لماذا هذا الحضور الشحيح والشاحب والنادر للتجارب الإبداعية العربية التى نرى أنها مهمة؟ ثمة إجابات تنتسب إلى عدم الاهتمام الغربي، أو الإهمال، أو المركزية الثقافية الغربية إزاء الثقافة العربية ... إلخ، وهى بعض الأحكام القيمية المسبقة التى تتناسل من نظرية المؤامرة، والتهميش والإزاحة للثقافة والإبداع العربي؟ ويبدو لى أن السؤال على أهميته، لم يجد إجابة موضوعية عليه، وتتمثل فى الإنتاج الإبداعى العربى وعوالمه ذاتها، ومستويات التخييل والأنماط والقوالب السردية السائدة ... إلخ!

الخطاب الانتقادى لعدم الاهتمام الغربي، نظرًا للتمركز الثقافى الغربي، مردود عليه أن ثمة ترجمات، تهتم بها بعض دوائر الاستشراق البحثى وهوامش حولها، دون أن تجد رواجًا واهتماماً خارجها. من ناحية أخرى هناك تجارب أخرى من الجنوب حققت ذيوعاً، وتأثيرًا كبيرًا فى المشاهد الروائية الكونية، من أفريقيا سونيكا، ونادين جورديمر، وماركيز ويوسا، واكتافيو بات، من أمريكا اللاتينية، ناهيك عن تجارب المبدعين ذوى الانتماءات والهويات والثقافات المختلفة من ذوى الأصول الهندية والأفريقية والأوروبية.. إلخ، وصاغوا ولا يزالون بإبداعاتهم الروائية والقصصية والشعرية بعضا من الملامح الرئيسة للإبداع فى الثقافات الغربية، وتحولوا إلى جزء من نسيج السرد الكوني، ومن التلقى القرائى الذائع. يبدو لى من بعض المتابعات، أن الأسباب الرئيسة لمحلية الإنتاج الإبداعى العربى السردى والمسرحي - يعود إلى الخيال والروح المقموعة والتجارب الإنسانية البسيطة والمجهضة لدى غالب الكتاب العرب، نظرًا للأبنية القمعية القسرية التى تعتقل العقل والمخيلة والتجربة والسلوك.

ومن ثم سطوة النمطية التى لا تطلق الخيال واللغة إلى ما وراء العادى والجزئي، وتحول دون الغوص عميقًا فى تجارب كينونية زلزالية، تحرر الكاتب من أثقال الزائل، والشكلي، وهيمنة سلطة المحرمات، والأبنية العقائدية والطقوسية الماورائية وهندساتها العقلية وفرائضها. عالم تمت هندسته فى كل مناحى الحياة، وبات مصحوبًا بالعنف اللغوي، والمادي، والرمزي، واللغة الساكنة فى المصادر المقدسة، وتراثات لغوية وبيانية، محفوظة ومقروءة، تتلى، ويعاد إنتاجها فى الدرس التعليمي، وفى السرود السائدة، ونماذج البلاغة المسيطرة والاستثناءات محدودة لدى بعض المبدعين ممن فجروا الأبنية اللغوية السائدة التجارب البسيطة والشائعة والمكررة، والخيال الأدبى المحدود، كلها إعاقات إزاء إبداعات استثنائية يهتم بها العالم، وتسهم فى خلخلة وجودية وتخيلية لأبنية وعوالم السرود العالمية، على نحو ما فعلت تجارب الواقعية السحرية فى آداب وروايات أمريكا اللاتينية وشعرها العظيم، وغيرها من الأعمال والنصوص الفذة والاستثنائية، من بناة العالم ومبدعى سروده المتفردة. أبنية ومعتقلات التجارب، والخيال، والروح، وراءها قمع الحريات السياسية، والفكرية والإبداعية من نظم ديكتاتورية وتسلطية سياسية ودينية، ومجتمعات لايزال إنتاج الفرد فيها رهن المواريث الاجتماعية القمعية، والولاءات الأولية للعائلة، والقبلية، والعشيرة، والمنطقة، والعرق، ومن يكسرون هذه الانتماءات لا يزالون استثناءات!

يبدو لى أيضًا أن غلبة الاستعارات فى الأفكار والتجارب الإبداعية الغربية ذات سطوة على الرغم من تحويلها من العالمى إلى المحلي، ومحاولة بعضهم إضفاء الملامح المحلية عليها، هو ما يجعل بعضها سطحيًا وهشًا، وفى بعض الأحيان تافهًا!

لا شك فى أن ثمة موهوبين كبار مصريًا وعربيًا، لكن هؤلاء قلة من كافة الأجيال فى ظل طوفان من الكتابات والتجارب والأساليب الرديئة التى لم تجد من النقاد الثقاة والجادين المتابعة النقدية الصارمة لإزاحة هذا النمط من السرديات التى تتناسل من بعضها بعضًا، والتى تشكل حقل الرداءة وفق مصطلح مصطفى الأشرف الأكاديمى الجزائرى عقب الاستقلال -، بعض هذه التجارب السردية الهشة، وعوالمها المحدودة أنتجت معها خطابات نقدية على مثالها، ومعها سكنت أوهام لدى بعضهم عن مكانات غير مستحقة، بينما ثمة مواهب حقيقية تكسر سياجات المألوف، وتتجاوزه، وتفجر اللغة والخيال وأساليب السرد فى قصيدة النثر، وفى جيلى الثمانينيات والتسعينيات وما بعد، لكنهم فى حاجة إلى اهتمام جاد من النقاد الكبار، بل وبعض شبابهم من الموهوبين، فى دراسات تحلل المشاهد الإبداعية الشعرية والسردية فى كلياتها وأجيالها، وفى رموز كل جيل، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة، والمجموعات الشللية، وولاءاتها، ونتائج الجوائز وما وراءها، والحثُ على التحرر من الأنماط الجاهزة، وكسر معتقلات التجارب والأفكار والخيال ولغة السرود المعلبة وسابقة التجهيز!

بقلم: نبيل عبد الفتاح

قيم الموضوع
(0 أصوات)