كثرة المعلومات وقلة المعرفة

  • د. جلال أمين
  • الأربعاء, 14 يونيو 2017 14:42
  • نشر في أقلام وآراء
  • قراءة 42 مرات

بقلم: د. جلال أمين

قالت الزوجة إلى زوجها: كيف ُيسَّمى هذا العصر، «عصر المعلومات»، وأنا لا أكاد أصادف أحدا يعرف أى شيء على الإطلاق؟.

قد ينطوى هذا القول على نكتة لكنه قد يلمس ايضا جزءا من الحقيقة، إذ ليس هناك تعارض بين كثرة المعلومات وقلة المعرفة، وقد يكون هذا هو حالنا اليوم.

الصحف اليوم أكبر فى عدد صفحاتها مما كانت، والتليفزيون يبث البرامج والمعلومات خلال عدد أكبر من الساعات، وأجهزة المحمول ووسائل التواصل الاجتماعى لا تكف عن نقل معلومات جديدة أو تلقيها، والمشتغلون بالسياسة يتكلمون كثيرا عن الشفافية وضرورة توافرها، وربما زعموا أنها متوافرة بالفعل، لكن الحقيقة أن فهم الناس لحقيقة ما يجرى يبدو أقل مما كان وهم يتساءلون أكثر مما كانوا فى الماضى عن حقيقة ما يجرى ، ومن ثمة إلى أين نحن ذاهبون؟. وسائل نقل المعلومات التى تسمى «وسائل الإعلام» تبدو أكثر فأكثر كالشخص الثرثار الذى لا يكف عن الكلام دون أن يقول شيئا ذا بال فالأخبار التى تنهال علينا من نوع القول انه جرى لقاء بين زعيمين سياسيين وأنهما بحثا مختلف القضايا التى تهم البلدين، وربما يضاف أن المحادثات اتسمت بالصراحة دون أن يقال شيء مهم عما قاله أحدهما إلى الآخر، بصراحة أو دونها، وبماذا أجاب عليه الآخر، قد يعد هذا من قبيل نقل المعلومات لكن الحقيقة أنها لا تكاد تصل حتى إلى هذا المستوي، ناهيك عن نقل المعرفة.

هذه المفارقة الصارخة بين تزايد ما يعطى لنا من معلومات وتناقص ما يسمح لنا بمعرفته تظهر حتى فى جلسات النقاش التى تدور على شاشة التليفزيون وتجمع ما يسمون «بالخبراء» إذ أصبحت أقرب إلى برامج التسلية منها إلى البرامج التثقيفية ويخرج منها المفكرون أو المختصون الذين اشتركوا فى النقاش وقد أصبحوا أكثر شهرة دون أن يقدموا نفعا يذكر، وهى ظاهرة قد يكون تفسيرها أن وسائل الإعلام، وقد زاد حجمها وساعات إرسالها إلى هذه الدرجة أصبحت تبحث عمن يملأ الفراغ المطلوب ملؤه بصرف النظر عما إذا كان لديه فعلا ما يضيفه أو لم يكن. ليس غريبا إذن أن يكون من بين المشتركين شبه الدائمين فى هذه البرامج من يتمتعون بخصلة معينة هى القدرة على الكلام فى أى موضوع، والاستعداد للإجابة عن أى سؤال، ولوقت ليس بالقصير دون أن يجيبوا بالضرورة عن السؤال المطروح.

لكن ربما كانت هناك تفسيرات أخرى أكثر عمقا فنحن نعيش فى عصر يتشدق بالديمقراطية دون أن يكون كذلك، بل يلاحظ أن تأثير عامة الناس على القرارات المهمة التى يتخذها الممسكون بالسلطة يقل بدلا من أن يزيد، وهذه الحالة أى التشدق بالديمقراطية على عكس الحقيقة تتطلب فيما يبدو كثرة التظاهر بإشراك الناس فى الحياة السياسية بعقد المؤتمرات والندوات وإذاعتها على الملأ، دون أن تنتهى هذه المناقشات إلى رأى يمكن الأخذ به أو سياسة واضحة يمكن تنفيذها.

أضف إلى ذلك أن التمييز بين تحصيل عدد أكبر من المعلومات، وبين تحقيق درجة أعلى من المعرفة ليس سهلا دائما، إذ من الشائع الخلط بينهما، كما يكثر الخلط بين الطالب الذى حفظ المقرر عن ظهر قلب والطالب الذى حفظ جزءا أصغر لكنه فهم أكثر، فتحصيل المعلومات لا يتحول إلى معرفة إلا بالربط بين المعلومات ربطا يترتب عليه منفعة أكبر، ولد فى صورة فهم أعمق للظواهر ومسبباتها، وكثير من الناس يقنعون بتحصيل معلومات أكثر عن ظاهرة ما ولو لم يقترن ذلك بفهم أسبابها.

قد يكون هناك تفسير آخر وراء هذا الانفصام المتزايد بين حجم المعلومات وحجم المعرفة فنحن نعيش فى عصر تزداد فيه أهمية الدوافع الاقتصادية بالمقارنة بغيرها من الدوافع: سياسية أو ثقافية أو اخلاقية، والدوافع الاقتصادية كثيرا ما تكون سيئة السمعة، كما لو كانت تحقيق أقصى ربح وأكبر حجم للمبيعات ولو بخداع المستهلكين، هذه الدوافع يفضل أصحابها اخفاءها بقدر الامكان وادعاء عكسها مثلما يحدث فى الإعلانات عن سلع مدّرة للربح الوفير لكنها قليلة النفع أو حتى جالبة للضرر، كالإعلان عن سلع غذائية مضرة بالصحة أو تؤدى إلى الادمان أو إلى السمنة المفرطة.

إن معرفة الحقائق فى هذه الأمور لا تحقق فائدة اقتصادية للمنتجين أو الموزعين فيجدون من مصلحتهم الادعاء بعكس الحقيقة.

أظن أن التطورات التكنولوجية الحديثة تساعد ايضا على هذا الخلط بين زيادة المعلومات وزيادة المعرفة، فهذه التطورات تسمح الآن بنقل المعلومات بسرعة أكبر، وهذه السرعة قد تلهى من يتلقى المعلومات عن انتظار تفسير لما حدث، أى الحصول على معرفة، بل قد توجد انطباعا أن الأمر قد انتهى بمجرد إلقاء المعلومة وتلقيها دون أن يقترن هذا بأى تفسير.

فى ضوء هذا كله هل نستغرب أن تقول الزوجة إلى زوجها إن هذا العصر ولو أنه يسمى «عصر المعلومات» لا يبدو أن حجم معرفتها أو معرفة أى شخص آخر قد أى تقدم؟.

قيم الموضوع
(0 أصوات)