مصــــر.. والقــوى الشـــاملة للدولـة

  • د. سمير فرج
  • الأربعاء, 14 يونيو 2017 14:29
  • نشر في أقلام وآراء
  • قراءة 23 مرات

بقلم: لواء د. سمير فرج

طبقاً لمفاهيم علوم الاستراتيجية والأمن القومي، فإن القوى الشاملة للدولة تنقسم إلى ثلاثة عناصر رئيسية؛ القوى العسكرية، والقوى السياسية، والقوى الداخلية التى تحتوى على عناصر القوة الاقتصادية، والقوة الاجتماعية، والقوة الثقافية، والقوة المعنوية، والقوة السكانية. وعند تطبيق هذه المفاهيم العلمية على مصر، فإن القوة العسكرية المصرية تتمثل فى قواتها المسلحة، التى صنفها تقرير جلوبال فاير باور مؤخراً، أنها فى الترتيب العاشر عالمياً، متفوقة بذلك على دول المنطقة عسكرياً، عدا إسرائيل، التى سبقتها مباشرة فى المركز التاسع. ولقد حققت القوات المسلحة المصرية هذا المركز المتقدم، نتيجة دعم التسليح الذى نالته مؤخراً من الرئيس السيسي، بإتمام صفقة طائرات الرافال الفرنسية وحاملات الطائرات، بالإضافة إلى الأسلحة والمعدات الروسية والصينية.

وتجىء الصناعات الحربية فى مصر، سواء كانت فى الهيئة العربية للتصنيع، أو فى مصانع وزارة الإنتاج الحربي، لتضيف ميزة نسبية لقوة مصر العسكرية. حيث تغطى احتياجات الجيش المصرى من الذخائر، والعربات المدرعة، والدبابة M1A1، أحدث دبابات العالم. ويوضع فى الحسبان، وجود قوات الأمن المركزي، المكلفة بمهام الدفاع عن الأهداف الحيوية داخل الدولة، لتتيح للقوات المسلحة التفرغ لمهامها الأصيلة فى الدفاع عن الوطن وحدوده ضد أعداء الخارج. أما العنصر الأخير، الذى يضاف إلى قوة الجيش المصري، فهو الجندى المصري، ذو المؤهلات العليا.

أما القوى السياسية لمصر، فبوصول الرئيس السيسى إلى رأس الدولة، بدأ فى إصلاح جميع الأخطاء فى الملفات السياسية الخارجية المصرية، وكان أول ما بدأ به هو الملف الإفريقي، حيث أعاد مصر، مرة أخرى إلى إفريقيا، وأعاد إفريقيا إلى مصر. فقد شهد هذا الملف تدهوراً بعد رحيل الرئيس عبد الناصر، وبعد أن ترك الدكتور بطرس غالى وزارة الدولة للشئون الخارجية، التى كانت متفرغة للعمل على ملف العلاقات الإفريقية. فأعاد الرئيس السيسى التفاعل مع منظمة الوحدة الإفريقية، وحضر اجتماعاتها.

ونظمت مصر مؤتمراً اقتصادياً لدول أفريقيا، فى فبراير الماضى فى شرم الشيخ، كما أحيا رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الزيارات إلى الدول الأفريقية. ولعل آخر هذه التحركات هو زيارة رئيس موريتانيا، بعد 40 عاماً من الجفاء السياسي، خاصة أن مصر تعمل، حالياً، على تنمية علاقاتها مع الدول الأفريقية، بهدف الحصول على تأييدهم، لتمثلهم مصر، كعضو دائم فى مجلس الأمن.

أما عن علاقات مصر مع باقى دول العالم، فقد عاد الدفء، مرة أخرى، إلى العلاقات المصرية مع كل من روسيا والصين، على سبيل المثال، بالإضافة إلى إعادة مد الجسور مع دول شرق آسيا مثل اليابان، وكوريا الجنوبية، والهند، وغيرها. فضلاً عن تركيز الرئيس السيسى على دعم العلاقات مع دول الاتحاد الأوروبي، وذلك من خلال زياراته إلى معظم تلك البلدان، مثل إنجلترا، وفرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، وقبرص، واليونان.

أما العالم العربي، فإن السياسة الخارجية المصرية تسير بخطى متميزة، وتطورت هذه العلاقات بفضل مجهودات الرئيس المصري، الذى يدير جميع العلاقات الخارجية المصرية بامتياز. وهو ما يؤكده حفاظه على هدوءه نحو أفعال كل من قطر وتركيا فى المنطقة. أما فيما يخص المشكلة الليبية، فإن مصر تراقب الموقف، بكل تفاصيله، باعتبارها مشكلة تهدد الأمن القومى المصرى مباشرة، وتعمل بكل الطرق السياسية والعسكرية، لاحتوائه بالأسلوب المباشر. وفيما يخص ملف حوض نهر النيل، فإن الدبلوماسية المصرية مازالت هى الطرف المسيطر، المطلوب منه الوصول إلى حل لتلك المشكلة، حتى لا تضطر مصر للجوء إلى حلول أخرى.

ويتبقى فى السياسة الخارجية المصرية الموقف مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما أرى الرئيس يتعامل معه بحذر ونجاح، فى انتظار وصول الرئيس الأمريكى الجديد مع مطلع العام القادم. مما تقدم، فإن القوى السياسية المصرية هى اللاعب الرئيسى فى قوة مصر فى المجتمع الدولي. ولا شك أن وجود مصر، حالياً، على مقعد غير دائم فى مجلس الأمن، سيزيد من قوتها فى الفترة القادمة، تمهيداً لأن تشغل هذا المقعد بصفة دائمة، ممثلة لأفريقيا، بإذن الله.

أما القوى الداخلية، فعند الحديث عن القوة الاقتصادية لمصر، ورغم صعوبة ما تمر به من ظروف اقتصادية، حالياً، نتيجة توقف السياحة، باعتبارها من أهم موارد الدخل القومي، إلا أن الأمل موجود باحتمالات اكتشاف الغاز الطبيعى حتى عام 2020، التى ستدفع إلى تحسن الاقتصاد المصرى بصورة كبيرة.

أما القوة الاجتماعية، فإن حضارة مصر العظيمة، وبالرغم من الساموات المفتوحة والإعلام الذى قد وصل إلى كل منزل، قد حفظت لها تقاليدها وتراثها، مما جعل شعب مصر قوياً، ومترابطاً رغم محاولات الفتنة الطائفية، التى انكسرت على صلابة هذا المجتمع. تلك القوة الاجتماعية التى تعد أهم قوى الشعب المصري، والتى تميزه عن باقى جيرانه فى المنطقة.

أما القوة الثقافية، أو القوة الناعمة المصرية، فمازال لمصر تأثيرها القوى على جميع دول المنطقة، بتراثها وكنوزها الثقافية العظيمة، وآثارها التى لا يضاهيها مثل فى العالم بأسره. ويضيف الفن المصري، بجميع أطيافه، قوة كبيرة لمصر فى المنطقة، بل وقوة مؤثرة بين جيرانها من الشعوب العربية.

وحدث ولا حرج عن القوة المعنوية للشعب المصري، ففى أقسى ظروف الهزيمة فى يونيو 67، وأيام حرب الاستنزاف، وتهجير أهالى القناة، فإن الشعب لم يشعر يوماً بالهزيمة أو الاستسلام، فهو شعب يملك فى مكوناته روحاً معنوية عظيمة. وليس أدل على ذلك، من أن معهدالدراسات الاستراتيجية فى لندن، بعد حرب أكتوبر 73، قال إن الشعب المصرى قد غير مفاهيمنا فى حساب قوى الدولة الشاملة، فلم نضع فى حساباتنا الروح المعنوية للشعب المصرى وجيشه فى حرب 73، التى قلبت موازين حسابات القوى الشاملة. فحسابات معهد الدراسات الإستراتيجية قبل حرب 73، كانت تؤكد أن النصر سيكون لإسرائيل، حال دخولها حرباً مع المصريين. ولكن جاءت الروح المعنوية للجيش والشعب المصري، لتغير جميع حسابات معهد الدراسات الاستراتيجية فى لندن، وتنتصر مصر فى هذه الحرب.

وآخر عناصر القوى الداخلية لمصر هو القوى السكانية وتوزيعها الديموجرافي، والتى وصلت مصر فيها الآن إلى 90 مليون نسمة، يمثل الشباب منها نسبة 60%، وهو ما يعتبر مصدر قوة كبير لمصر، إذا أحسن تدريبها، والقضاء على أميتها، والاهتمام بعناصر التنمية البشرية وهى الصحة والتعليم. فالسرعة التى تتحرك بها الحكومة المصرية للقضاء على فيروس سي، هى تقدم كبير فى مجال الصحة. ثم التطوير المنتظر فى مجال التعليم، علاوة على ضرورة تدريب عمالة ماهرة لتشارك فى مسيرة التقدم الاقتصادي، حتى لا تكون هذه القوى البشرية هى أول معاول هدم القوة المصرية، إن لم يحسن استغلالها.

من ذلك كله، فإننا نرى أن القوى الشاملة للدولة المصرية، تدفع فينا الأمل إلى مصر جديدة، فى عالم جديد، ستظهر بوادره اعتباراً من عام 2020، لتسمح للأجيال القادمة بحياة يستحقها هذا الشعب العظيم، وتعيد لمصر أمجادها. ولن أخوض، هنا، فى النظريات الاستراتيجية لحساب القوى الشاملة، ومعادلاتها، وتقديراتها، ولكن هذا العرض كفيل بالتأكيد على رؤية مصر قريباً، دولة قوية وعظيمة .



قيم الموضوع
(0 أصوات)