وصف مصر من خلال مخطوطة هداية الحجاج (سفرنامهء مكه)

  • د. رفعت حسين
  • السبت, 11 مارس 2017 21:57
  • نشر في أدب
  • قراءة 604 مرات

من أدب الرحلات

وصف مصر من خلال مخطوطة هداية الحجاج (سفرنامهء مكه)

تأليف سيد محمد رضا طباطبائي التبريزي، ترجمة ودراسة

خلال الفترة 1296- 1297هجري = 1878-1879 ميلادي = 1258-1259هـ. ش

بحث من إعداد:

د. رفعت عبد الله سليمان حسين
أستاذ ورئيس قسم اللغات الشرقية بكلية الآداب جامعة قناة السويس

مقدمة تعد كتب الرحلات من مصادر التاريخ والآثار والمجتمع والتي تضيف الكثير من المعلومات والأحداث ، وتقدم وصفا للأماكن والشخصيات وهي انطباعات شخصية وواقعية عن الجوانب الاجتماعية والحضارية للمناطق التي تشملها ، وكان الحج عاملا مساعدا لكثير من الحجاج الإيرانيين القادمين من بلاد فارس ليقوموا بوصف طريقهم إلى الأماكن المقدسة، وكان الحج من أعظم البواعث علي الرحلات نظرا لأن آلاف المسلمين من شتى بلاد العالم شرقه وغربه وشماله وجنوبه يتجهون في كل عام صوب الحجاز والحرمين الشريفين لتأدية فريضة الحج وزيارة قبر الرسول صلي الله عليه وسلم، وكان بعض الحجاج يكتبون عن الطرق والمسالك والمدن والمنازل التي نزلوا بها أو الأحداث التي شاهدوها بأمهات أعينهم لكي ينتفع بها الآخرون ويهتدوا. وفي هذا الاطار قام سيد محمد رضا الملقب بالحسني الحسيني بن عبد الجليل طباطبائي التبريزي برحلته إلى مكة بخط سير من إيران عبر تفليس وباطوم إلى ميناء طرابزون فاسطنبول وأزمير ومنها إلى الإسكندرية والقاهرة ثم إلى السويس التي عبر منها إلى جدة وأتم رحلة حجه إلى مكة وزار المدينة المنورة، وعاد إلى ينبع ثم ركب الباخرة إلى السويس ومنها عبر قناة السويس إلى مدينتي الإسماعيلية وبورسعيد، ومن هناك ركب الباخرة إلى بيروت في طريق عودته عبر اسطنبول وباطوم وتفليس حتى وصل في نهاية المطاف إلى وطنه بحمد الله في عام 1297هـ.

بدأ الكاتب رحلته من تبريز في يوم الخميس الموافق 25 من شهر شعبان عام 1296 هـ، وأنهاها في يوم الجمعة الموافق 25 من شهر جمادى الآخرة عام 1297هـ، ووصل في فرح وسعادة غامرة بعد أن استمرت رحلته نحو تسعة أشهر وتسعة أيام، وبدأها بقوله:

الحمد لله على ما هدانا إلى أوضح السبل وأرشدنا إلى طاعة أشرف الرسل أشكره خضوعا لعظمته ونحمده إقرارا لجسيم نعمته الذي جعل البيت مثابة للناس ..... الخ.

واختتمها بقوله : بحق محمد وآله الطيبين الطاهرين سلام عليهم أجمعين إلى يوم الدين .

جاءت الرحلة في نحو 296 صفحة بدأها بمقدمة تشمل المؤلف والكتاب في نحو أربع وأربعين صفحة، ثم مقدمة أخرى الفصل الأول منها في بعض فوائد السفر ومنها: انفراج الهم والغم، واكتساب المعيشة، وتحصيل العلم ، وتحصيل الآداب، وصحبة الأمجاد، واستجابة الدعوة، وزيارة الأحباب من الأقارب والأرحام والأصحاب، ورفع الإنسان نفسه من الذل إذا كان بين قوم لئام. كما يشمل الكتاب صورة أول صفحة من المخطوط والمكتوبة بخط اليد باللغة العربية .

قام الكاتب بتقسيم مخطوطه إلى ثلاثة فصول؛ جاء الفصل الأول بعنوان ذكر فوائد السفر، والفصل الثاني في آداب وأساليب السفر، أما الفصل الثالث والأخير فجاء في ذكر مرافقيه في الرحلة، وأوضح خلاله طرق ومسالك الحج وأفضلها وأوضاع المدن والأماكن التاريخية والجغرافية وشرح حكايات المسلمين.

كما تضمن الكتاب صورة موجودة بملحق نهاية البحث ص19 تشمل أسماء مرافقيه وهم حاجي ميرزا شفيع بن ميرزا جعفر صدر التبريزي ابن المستوفي، وابنه حاجي ميرزا موسي الصدر، والمؤلف كاتب الحروف سيد محمد رضا طباطبائي التبريزي، وميرزا رضى خان، وحاج زين العابدين ناظر جناب آقائي، وميرزا محمد خان جنرال القنصل، وحاج محمد صادق خان، وسبعة أفراد آخرين من صانع للقهوة وخدم وخلافه (انظر ملحق البحث).

يعد ميرزا محمد شفيع التبريزي الذي عاش خلال الفترة (1218- 1301 هـ) والملقب بثقة الإسلام من تلامذة السيد كاظم الرشتي ومن الراوين عنه إجازة رواية، وكانت له الزعامة في تبريز، وقيل إنه قدوة الحكماء والأساطين وكان من رجال العلم ومن أهل الصلاح والدين، كما ذكر في كتاب عقائد الشيعة، له المترجم في الذريعة مصنفات منها الرسالة العلمية، ورسالة في الطهارة والصلاة والصوم، وأسئلة كتبها إلى أستاذه السيد كاظم في مرجع ضمير الفاعل في نحو زيد ضارب وغيره .......

قام المؤلف بتسمية مخطوطه هداية الحجاج لا بسبب أداء المناسك بل لتحرير وتسجيل الوقائع والأحداث، ويضيف قائلا: لو يتأمل أبناء وطني تلك الأوراق بدقة وشئون أهل الولايات الأجنبية والدول المتحضرة سوف يعلمون كيف تمدن العالم وكيف تدار شئون الحياة. كتب المخطوط باسلوب النثر السلس للغاية دون عيوب تذكر كما ذكر محققه رسول جعفريان حيت تبين بمرور الأيام بالدليل العملي أن مؤلف الكتاب قد درس في المدارس الحديثة، وكان يكتب بندرة أدبية، يستفيد لحظة بلحظة من وصف المشاهد والمناظر الطبيعية الخلابة ومن التعبيرات الأدبية أيضا. يقع المخطوط في مجلد واحد حققه وكتب مقدمته رسول جعفريان بتاريخ 16/ 6/ 1386 هـ. ش، وقال إن النسخة الوحيدة منه موجودة في مكتبة المرحوم (ملك) القومية بطهران العدد رقم 2357 ظ، فهرست المكتبة 465/ 3 فهرست واه منزوي 125 / 1 و1413، وكانت النسخة الموجودة في غاية الروعة من حيث الكتابة والخط وتقع في مائة وسبع وخمسين ورقة برعاية معالي حجة الإسلام والمسلمين إلهي خراساني بالتعاون الصادق من فرع المخطوطات بمكتبة محافظة قدس رضوي وتم عمل نسخة من الأصلية، وأضاف قائلا على لسانه: وبعد عودتي من عمرة إلى الحرمين الشريفين بصحبة زوجتي عام 1386 هـ. ش، قمت بازالة أسباب الصعوبات الموجودة في الكتابة كاختلاط الكاف العربية بالجاف الفارسية دون تمييز يذكر كما جاء في بعض الأسماء، وقمت بوضع عناوين جانبية استكمالا لما نسيه المؤلف في مواضع دون أخرى، حتى تتحقق الاستفادة القصوى من الرحلة، وقمت بكتابتها علي ورق كروشيه، ثم اعتذر المحقق عن طول المقدمة. وقيل إن سيد محمد رضا التبريزي وهو من أعلام الشيعة الإمامية، ويبلغ عدد أساتذته 15 أشهرهم الشيخ عبد الحسين المرندي، وعبد الرحيم الكليبري، وفتح الله الأصفهاني، عضو بعثة آية الله أردبيلي، زار بيت الله الحرام وعمره 63 سنة، وقد توفي بعد أدائه فريضة الحج في يوم الثلاثاء الموافق 10 آذر عام 1388 هـ. ش ، إثر سكتة قلبية، وكان مخطوط سفرنامه ضمن مؤلفاته العديدة والتي منها رسالة في الربا، ورسالة في المكاسب المحرمة، ورسالة في شرائط المتعاقدين، ورسالة في شرائط العقد، وتنقيح الأصول، ورسالة في إرث الزوجة، ورسالة في منجزات المريض، وتوفي في عام 1371 هـ. هناك أكثر من خمسين مخطوطة مكتوبة بخط اليد في أدب الرحلات الفارسية إلى مكة حسبما ذكر رسول جعفريان محقق كتاب هداية الحجاج أو سفرنامهء مكه، لايزال جزء كبير منها محفوظا في المكتبة الإيرانية، وهناك مساعٍ جديدة لطباعتها، قام رسول جعفريان بطباعة نحو تسع منها، ومن ضمنها كتاب هداية الحجاج، كما قام السيد علي قاضي عسكر بتحقيق عشر أخرى، وهناك مساع لتحقيق الباقي عن طريق وزارة الحج السعودية بالتعاون مع منظمة الحج الإيرانية. قمت بتقسيم البحث إلى مقدمة وثلاثة مباحث؛ جاء المبحث الأول في وصف مدينة الإسكندرية، والمبحث الثاني في وصف مصر ومدينة القاهرة، أما المبحث الثالث والأخير فجاء في وصف مدينة السويس ومينائها ومدينتي الإسماعيلية وبورسعيد قبيل وبعد السفر إلى مكة.

وقد اتبعت المنهج الوصفي التاريخي من منظور تكاملي وهو الملائم لأدب الرحلات الفارسية إلى مكة ووصف مصر.

وصل الكاتب إلى الإسكندرية يوم الثلاثاء الموافق التاسع عشر ومكث بها حتى الخامس والعشرين من شهر شوال عام 1296 هـ = 1878م، وذكر المؤلف أن الإسكندرية تعد من أبنية الإسكندر الروماني، ويقال إنه مدفون في مكان خاص بالإسكندرية علي عكس ما يقوله الأوروبيون من أنه مدفون في مدينة بابل العراقية، وذكر الكاتب أيضا أن الإسكندرية بها أول ميناء يقع في قارة أفريقيا لنقل السلع والبضائع من بلاد المغرب إلى الممالك الشرقية، ومما زادها جاذبية وبريقا قربها من قناة السويس التي افتتحتها الملكة أوجيني في عام 1869 م، وعبر منها الكاتب بالباخرة التي انطلقت من السويس بعد افتتاح القناة بتسع سنوات وصولا إلى بورسعيد ليسافر من هناك على باخرة أخرى إلى بيروت بعد أدائه فريضة الحج .

 

شاهد الكاتب العديد من التماثيل والحدائق والمتنزهات، وزار ضريح الإمام الصوفي جابر بن عبد الله الجعفي الذي يعد من أهم الرواة والثقاة المعتبرين ومن أصحاب الإمام جعفر الصادق، ويمر بجوار المسجد خط السكك الحديدية الواصل بين الإسكندرية والقاهرة والذي ينفصل ليمر من الجانب الأيسر إلى محطة الرمل.

وتشاهد من شاطئ الإسكندرية وعلى بعد اثني عشر ميلا جزيرة صغيرة تعرف باسم "لاردنلسان اوميزال" أي على اسم المفتش البحري الإنجليزي الشهير. وكانت اللغة العربية الخالصة هي لغة أهل المدينة، كما كانت الفرنسية منتشرة بين الأجانب الذين يرتادون البواخر هنا ويتحدثوها بطلاقة، الأبنية على الطراز الأوروبي، الشوارع على استقامة تتشعب منها حارات، ويشاهد ميدان به تمثال محمد علي باشا مصنوع من البرونز ومزدان بحجر المرمر يرتدي عمامة علي رأسه وفي وسطه سيف، وقد أنفق إسماعيل باشا مبالغ باهظة من أجل صنع هذا التمثال.

 

وفي يوم الثالث والعشرين من شهر شوال استقل الكاتب قطار السكك الحديدية من الإسكندرية إلى القاهرة، وكانت قريحته حاضرة فذكر نحو 12 محطة مر بها القطار في طريقه من الإسكندرية إلى القاهرة؛ وهي محطات: سيدي جابر، الملاحة، كفر الدوار، أبو حمص، دمنهور، متيه الغار، كفر الزيات، طنطا، بركة السبع، بنها، طوخ، وقليوب، كان القطار يتوقف لمدة تصل إلى خمس دقائق أو أكثر في كل محطة، ووصف في الطريق القرى والنجوع والمزروعات مثل الزيتون والقصب والحبوب مثل الذرة وغيرها. وكانت قيمة تذكرة الدرجة الأولى 97.5 قرشا، والدرجة الثانية 66 قرشا، أما الدرجة الثالثة فقيمة تذكرتها 40 قرشا وكابينتها لم تكن مغطاة كما كانت حالتها في غاية من السوء، ويحل بها غبار كثيف من الخارج، وكلمة "كفر" الموجودة في كفر الزيات معناها القرية، وطنطا تكثر بها العمائر الضخمة والمساجد، وبها قبر السيد أحمد البدوي صاحب المنزلة العظيمة، وكانت له مكانة رفيعة في قلوب أهل السنة، أما بركة السبع فكانت مركزا خاليا من الخدمات، وتكثر به الأشواك وقاحلة.

وصف مدينة القاهرة

تنقسم ولاية مصر إلى ثلاثة أقسام: الأول مصر السفلى أو الغربية وتقع في الجانب الشمالي وبها مدن الإسكندرية ورشيد ودمياط والسويس، والقسم الثاني مصر الوسطى والتي يطلقون عليها أيضا البحرية وتقع في وسط فرعين عظيمين لنهر النيل، والقسم الثالث مصر العليا وعاصمتها القاهرة تعقبها أسيوط الأكثر شهرة ومولد الإمام جلال الدين السيوطي المتوفي 911 هـ. ذكر المؤرخون الأوروبيون والأفارقة أن بداية تعمير مملكة مصر كان قبل الهجرة النبوية الشريفة بنحو 3548 سنة، وكانت الأفضل بين بلدان مشرق الأرض، كما كانت أراضيها تروى من مياه النيل المباركة ويشرب منها الأهالي، بينما لا تهطل الأمطار في الفصول الأربعة، وكان الأهالي يعانون معظم الأوقات من مرضين عضالين أولهما الطاعون الذي استشرى خطره بين الناس وذكت رعبا، والثاني مرض صديد العين الذي يسمى الرمد الصديدي يؤدي إلى العمى وذلك بسبب شدة نعومة الغبار والأتربة التي تأتي مع الرياح في الخماسين.

ذكر الكاتب أن مصر والقاهرة تقعان علي نهر النيل في مكان متسع وسط المدينة، وقد شيد الخديوي إسماعيل باشا ملك مصر كوبري حديدي عرضه أحد عشر مترا وطوله أربعمائة وثمانية أمتار، وشيدت ثمانية كباري متشعبة من النيل بنفس الصورة، وقد أضاف الخديوي الكثير من أجل عمران مصر واتساعها، والعجيب أن نهر النيل يسير خلافا لكل أنهار الدنيا من الجنوب باتجاه الشمال، أيضا من العجب العجاب أن تزداد مياهه في شهر حزيران بينما يبدأ في الانحسار في فصل الشتاء، ويحدد المهندسون المتخصصون نسبة ارتفاع ونقصان مياه النيل مع مستوي مياه البحر الأبيض حيث يصل ارتفاع مياه نهر النيل إلى ثمانية أمتار في فصل الربيع، وتروي مياه النيل نحو 150 مليون متر مكعب من الأراضي الزراعية .

وقد أقيم علي ضفتي نهر النيل في كل أرجاء مصر نحو 400 كوبري مشيدة من الحديد الصلب والحجارة لمرور قطارات السكك الحديدية في مملكة مصر وشعابها، ويضيف الكاتب قائلا: يجري العمل حاليا في مد نحو 1450 كيلو متر من السكك الحديدية في ست عشر منطقة من مملكة مصر وتبلغ المسافة من الإسكندرية إلى القاهرة نحو 209 كيلو متر، وتبلغ المسافة من قليوب إلى السويس نحو 232 كيلو مترا، وتدر السكك الحديدية والبواخر المسافرة إلى الحج والدول الأوروبية علي مصر مبالغ طائلة تدخل في جيب الشركة البريطانية العاملة في مصر. وقد شيد الخديوي السابق إسماعيل مدرسة خاصة بالطلاب المكفوفين الذين فقدوا أبصارهم وكان عددهم 46 طالبا وطالبة.

وعرض الكاتب صورا من أبنية مدينة مصر منها الأهرامات الثلاثة والتي ليس لها نظير في أي مكان في الدنيا، وعرض قصصا لسيدنا نوح وسيدنا إدريس، كما وصف شكل أبو الهول ويقال له سفنكس وهي كلمة مأخوذة عن اللغة اليونانية. وصف الكاتب بئر يوسف وهو من الآثار القديمة يقع خارج بوابة الجبل في القلعة ماؤه عذب ويبلغ قطره تسعة أذرع، وهو من أبنية السلطان صلاح الدين يوسف.

ويصف مسجد رأس الحسين ويعتبره من مشاهد ومزارات مصر، وكذلك قبر السيدة سكينة بنت الحسين عليه السلام وضربح السيدة زينب، وضريح علي بن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، ومرقد السيدة نفيسه ابنة زيد بن علي بن الحسين، والتي أمر السلطان محمد الفاتح بتعميرها جميعا، وأيضا شاهد قبر الإمام الشافعي بالقرب من قبر محمد علي باشا، ووصف قلعة جبل المقطم إحدى أبنية القائد جوهر الصقلي.

وصف ميناء السويس ومدينتي الاسماعيلية وبورسعيد

في تمام الساعة السادسة من صباح الأربعاء الموافق الخامس من شهر ذي القعدة عام 1296 هـ وصل المودعون إلى محطة مصر لتوديعنا، ثم تحرك القطار متجها إلى السويس، وكانت تذكرة الدرجة الأولي تساوي 111 قرش صاغ والدرجة الثانية 75 قرشا، أما الدرجة الثالثة فأجرتها 45 قرشا، لكن عرباتها كانت غاية في السوء؛ نوافذها مفتوحة من كل جانب ويملأ جنباتها الغبار حتى أن الراكب يكاد يختنق من كثرته، وكانت أولي المحطات قليوب، التي تمتزج مع قطار الإسكندرية ثم تنفصل عنه ثم يمر القطار من كوبري منحرفا جهة اليمين، لتكون محطة شبين القناطر هي الثانية، وهي تسير مجاورة لترعة الإسماعيلية، ثم محطة بلبيس، ومحطة الزقازيق، وأبو حماد، والتل الكبير، ثم محطة نفيشة التي يتم الانتقال منها سيرا علي الأقدام لركوب قطار آخر متجه إلى السويس، وكانت أولي المحطات بعد نفيشة فايد، ثم محطة كسفريت التي كتبها بصورة خاطئة فالسويس آخر المحطات الواصلة لميناء السويس. ويضيف قائلا: توقفنا في السويس في السادس من ذي القعدة إلى الرابع عشر من نفس الشهر أي نحو تسعة أيام، وأقمنا بجوار القنصلية الإيرانية محل اقامة السيد أحمد نقادي، وكان بدويا من أهل السنة والجماعة في مصر ويعمل بالتجارة، وله معاملات مع الدول الأجنبية كالنمسا وروسيا، و تبدو عليه علامات التدين والصلاح والخلق القويم. في يوم الأحد الموافق التاسع من الشهر شاهدنا حاكم المدينة ويدعي محمد رؤوف باشا، كان رجلا كاملا وعلى خلق قويم وعطوفا، وكان يبلغ من العمر نحو خمسة وخمسين عاما خدم خلالها مع ثلاثة ملوك.

 

يعد ميناء السويس أحد الموانئ الهامة في مملكة مصر ويقع على مقربة من جبل عتاقة، أما مدينة السويس فقد أصبحت أكثر عمرانا وأفضل من ذي قبل بفضل ايصال خط السكك الحديدية من الإسكندرية حتى السويس عام 1852م، وكان أول خط للسكك الحيدية في العالم شيدته بريطانيا بعد سككها الحديدية، وافتتاح قناة تصل البحرين الأحمر والأبيض ببعضهما البعض، وأصبحت الحدائق أكثر بهجة يرتادها الأجانب، كماشيدت العمائر بشكل رائع، ويبلغ تعداد سكان السويس بالمغتربين الذين يترددون عليها نحو عشرة آلاف نسمة، وشاهدنا سوق البدو القديم في حالة سيئة دون تغيير، وكان أمام الحجاج فرصة للإقامة، إما في بيوت البدو أو المبيت في المقاهي، وكان في مدينة الحجاج هناك ثلاثة مساجد وحمامان، والماء هنا على نوعين أحدهما ملح أجاج، والآخر عذب للشراب جلبه الخديوي إسماعيل نقلا من ترعة الإسماعيلية عن طريق نهر النيل من مسافة بعيدة.

تعمل سفن تجارية لكل من فرنسا والنمسا وبريطانيا ومصر وتركيا من السويس حتى جدة وسائر الموانئ في موسم الحج، وتختلف قيمة التذاكر بناء على قلة وكثرة الحجاج، ويدفع الحاج من ليرتين حتي نصف ليرة للركوب إلى جدة، ولم تحدد أيام معينة للتحرك، ويتلاعب الدلالون بالحجيج من أبناء وطنهم من أجل جلب المال الكثير بأي صورة كانت. تحركت السفينة متجهة إلى الإسماعيلية ومرت ببحيرة كبيرة تعرف بالبحيرات المرة وشاهدنا علامات على يمين ويسار القناة تمر البواخر من وسطها ويبلغ عمق البحيرة من سبعة إلى ثمانية أمتار، ويضئ فنار في آخر البحيرة لتتعرف عليه السفن ووصلنا إلى بحيرة أخرى في مقابل مدينة الإسماعيلية وتبدو الرمال والحجارة في الجهة الأخرى من سيناء، وفي الإسماعيلية شاهدنا في وسط القناة إحدى السفن الحربية الممتلئة بالجنود النظاميين والمدافع البحرية حاضرة على الدوام، ولتأمين وصول المياه العذبة من ترعة الإسماعيلية، وفي وقت الغروب تقف جميع السفن الصغيرة والكبيرة حتي الصباح، ويكون رسم المرور وأجرة المارة في عهدة قبطان السفينة، وقال أحد مرشدي القناة إنه قد مرت من القناة خلال عشرة أيام نحو 72 سفينة بحصيلة مليون وأربعمائة وخمسين ألف فرانك فرنسي كرسوم عبور للقناة.

في يوم الخميس الموافق السادس عشر من شهر صفر عام 1297هـ وقعت حادثة لسفينة الكاتب؛ فقد تحركت جميع السفن سواء الكبيرة منها أو الصغيرة ببطء شديد حتى لا تصطدم ببعضها البعض بسبب هبوب الرياح الشديدة من تلال صحراء مصر التي تملأ القناة بالغبار فتسبب انسداد مجرى القناة وطريق عبور السفن.

وحدث مالا يحمد عقباه حيث جنحت السفينة التي يبلغ طولها نحو 160 قدم وقبعت مقدمتها في الوحل والطين وبذل العمال جهودا مضنية حتي لا تنقلب السفينة، وقاموا بدفعها من ظهرها حتى يتم رفع مقدمتها إلى عنان السماء وجرى الحجاج في كل مكان دون أن يجدوا مفرا، وفي ظهر يوم الجمعة خرجنا بخير من هذه الورطة حتى حل الغروب.

في التاسع عشر من شهر صفر غرست الباخرة مرة أخرى في الوحل أمام الإسماعيلية ولم يستمر الوضع كثيرا حتي خرجت السفينة دون اصطدام بحمد الله، ووصلت السفينة إلى ميناء بورسعيد قبل دخول المغرب بساعتين.

يقع ميناء بورسعيد عند مدخل القناة ويشرف علي البحر الأبيض، وفي وسط المدينة تم حفر مكان واسع عميق ومربع الشكل بحيث تستطيع السفن الوقوف فيه مجتمعة، وفي الجهات الأربع من هذا الميناء ومع وجود المصانع الكبيرة ومنطقة الجمارك والقنصليات حيث يقيم هنا وكلاء قناصل سبع دول تم تشييد ميناء مزدان بعمائره من بعيد، وتعطلت إحدى السفن القادمة من بنجلاديش طيلة ثلاثة أيام بلياليها وحبس المسافرون في السفينة، وكانت تحمل التبغ والأصواف والجلود، وغضب المسافرون فاضطر القبطان للاعتذار لهم بعد رفع الشكوي لوكيل قنصل دولة بريطانيا، وقال له إنه لم ينل احترام المسافرين.

وفي أثناء توقف السفينة في ميناء هذه المدينة خرجت برفقة دليل لمشاهدة المدينة وبقيت في أحد الفنادق حتى الصباح، ثم عدنا إلى السفينة، وكانت إحدى السفن تابعة لدولة السويد والنرويج وتم تكليفها للسفر إلى القطب الجنوبي والمحيط الهادي مع شخصين من أصحاب المناصب الرفيعة، وصلت اليوم إلى الميناء، ونقل القبطان شيئا من عجائب أسفاره وتحرك بعد عدة ساعات الي السويد والنرويج.

في يوم الجمعة الموافق الرابع والعشرين من شهر صفر تحركت السفينة من ميناء بورسعيد في الثلث الأول من الليل، وقد أقيمت منارة مرتفعة للغاية في نهاية العمران، كما توجد عدة فوانيس أخرى في كل مكان حتى سواحل الشام، وكان يقال إن البحر عادة يكون متلاطم الأمواج، ولكن لحسن الحظ كان البحر هادئا، حتى وصلنا يوم السبت الموافق الخامس والعشرين من صفر إلى ميناء بيروت وانتهت بذلك رحلتنا إلى مصر بحمد الله وتوفيقه.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على السبت, 11 مارس 2017 22:56
  • حجم الخط