سمات قصيدة النثر (ج2)

  • إيمان مصاروه
  • الأربعاء, 01 فبراير 2017 17:57
  • نشر في أدب
  • قراءة 636 مرات

** ونستكمل اليوم الدراسة القيمة للباحثة والشاعرة الفلسطينة إيمان مصاروة حول (سمات قصيدة النثر) .. وقد تناولت الباحثة في الجزء الأول السمات الخارجية لقصيد النثر وخصائصها وبعضا من أقوال الشاهير فيها..

وأترك القارئ الكريم مع الجزء الثاني من الدراسة البحثية..

*****

السمات الداخلية:

"ما وراء المؤشرات الواضحة لهذا الجنس من حيث العنوان والمظهر على الصفحة، يتوقع القارئ في قصيدة النثر خطاباً مختلفاً عما يجده في أنواع النثر الأخرى. فعلى سبيل المثال، قلّما يمكن أن ننظر إلى المقتطفات المأخوذة من تاريخ باترسون، نيوجرسي، التي ضمّنها ويليام كارولز ويليام في قصيدته الطويلة، وعنوانها "باترسون" ،بأنها قصائد نثر، في حين

تحقق قصيدة "ارتجالات" توقعات القارئ عن قصيدة النثر أفضل مع إنها لا تندرج في خانة هذه التسمية. يشكل هذان النموذجان من النثر أنواعاً مختلفة من الخطاب؛ أحدهما تاريخي يسهل فهمه، أي إنه " قرائي" ،بحسب تراث السرد التاريخي، والآخر مُميز لقلم الكاتب نفسه ومُبهم. يوحي هذا الاختلاف على وجه التخصيص بإحالية أكبر أو أقل، وباختلاف في نوع "الحقيقة" المحال إليها. (لاشك في أن إدخال الخطاب التاريخي في النص الشعري يضّيق على الأخير ويضع إحاليته التقليدية موضع شك، مثل اعتماده على "الوقائع" بوصفها أساس "الحقيقة"). ومثلما تشير بربارة جونسون في "مدخل" لعملها "Défigurations du langage poétique" عن قصيدة النثر:

ببساطة أقول إن الحد الذي كان يفصل النثر عن الشعر، سابقاً، قد انتقل إلى مكان آخر، والإزاحة الحالية لخط المتاخَمة هذا من محور "النثر/ الشعر" إلى محور "اللغة الاعتيادية/ اللغة الشعرية" لم يفعل شيئاً لتشتيت كثافة القضايا التي تم تخطيها بهذا الصدد. فإن كان التاريخ الأدبي يبني نفسه على قمع التجديد الذي يربكه، فان هذا الإرباك لا يعمل، في الواقع، سوى على إزاحة نفسه، ليعُاود الظهور في مكان آخر حتماً.

قصيدة النثر تقوض القطبية الأساسية بين الشعر والنثر، لكن يبقى التساؤل قائماً داخل هذا الجنس عما يجعل نصاً ما "شعرياً" أو "أدبيا" حقاً.

يركز أحد المسارات الواضحة في تقصي الشعرية في النثر على التأثيرات الصوتية؛ إذ يعرّف رومان ياكوبسون "الوظيفة الشعرية للغة" بأنها " التوجه نحو الرسالة بذاتها؛ أي التركيز على الرسالة لغرضها فقط " مما " يؤدي، من خلال ملموسية العلاقات، إلى تعميق الفصل الجوهري بين العلامات والموضوعات ".

ومع أن وظيفة الفن التعبيري هذه تتبدى بوضوح في الكثير من قصائد النثر، فهل هي القاعدة التعريفية لهذا الجنس وهل نستطيع أن نعد وجودها مقياساً للقيمة الشعرية لأية قصيدة نثر ؟ يمكن لنا التغاضي عن خط التقصي هذا لصالح قصيدة النثر ولأسباب عدة، أولها قد يظهر النثر شديد الإيقاعية أو الجناسية بسهولة في أنواع أخرى من النثر مثل خطابة القرن السابع عشر أو النثر الشعري للقرن الثامن عشر أو الرواية الغنائية للقرن العشرين. لا شيء يمنع لغة مشحونة صوتياً من الظهور بأشكال الخطاب كلها، الأدبية ومنها وغير الأدبية، مثلما أشار ياكوبسون نفسه، وبالتالي، قلّما يمكن اعتبارها سمة ممّيزة لقصيدة النثر. وفضلاً عن ذلك، عند الإساءة للمؤثرات الصوتية عبر المبالغة بالإيقاع أو الجناس تكون النتيجة مضحكة غالباً أو متوسطة الجودة؛ أشبه ما تكون بإنتاج الشعر الهزلي [مُحطَّم الوزن عادة] عبر المبالغة بالوزن

والقافية النظمية. والتاريخ الأدبي شاهد، قطعاً، على هذه الظاهرة: فعلى سبيل المثال، عندما حاولت قصيدة النثر البرناسية Parnassian [ مدرسة شعرية فرنسية في النصف الثاني من القرن 19 ارتكز أتباعها على الشكل الشعري أكثر مما على العاطفة ] أن تنافس النَظْم، تمكنت من استعمال الدوبليت والتكرار لخلق إيقاع قوي وعمارة متينة. وكانت النتيجة، بحسب ما ذكرته سوزان برنار، شيئاً من حِلية معمارية ليس إلا، قطعة صغيرة في ماكنة ساعة … تسلية إيقاعية. وبدلاً من ذلك، تكمن أخصب مصادر قصيدة النثر في اللعبة التي يقدمها النثر بوصفه نثراً، لا في النثر المشوّه من أجل محاكاة صفات النَظْم الموسيقية؛ فقصائد النثر الجد مهذبة أسلوبيا توحي بأن لغة النَظْم متفوقة على لغة النثر، وبذا فهي تقلد النَظْم برداءة، حاملة دمغة ركاكتها الشكلية. وبحسب ما يراه باختين، فان لغة الشعر تكاملية بتكلف أصلاً؛ تشوه طابع اللغة اللامتجانس المفردات. إن قصيدة النثر، أي الجنس "الروائي النمط"، تكون الأكثر ثراءً عند استثمار مثل هذه الخاصية اللسانية للاتجانس المفردات، بدلاً من تضييقها. والحق إن نطاق الأساليب النثرية الموجود في قصائد النثر هو بسعة ما نجده في النثر عموماً ما دامت قصيدة النثر تغتصب أو تحاكي الأنواع النثرية الأخرى كي تولد تأثيراتها الخاصة. وبذا فقد تعمد قصيدة النثر إلى توظيف القافية المتصاعدة أو التكرار أو الجناس أو القرار، لكن قلّما تكون مثل هذه الصفات أمراً ضرورياً لهذا الجنس ما دامت البنية المؤلفة من أربعة عشر بيتاً وقافية معينة هي خاصة بالسونيتة. (3)

ويجمل د. فرحان بدري الحربي سماتها الخارجية والداخلية بقوله: "إن من يرفضون قصيدة النثر يرون أنها لم تحقق ما ادعاه أصحابها بأنها قد جاءت ردا على خطابية الشعر الموزون وإيقاعاته الصائتة، فإن الباحث في هذه القصائد، بحسب رأيهم، يجد اغلبها ذات لهجة خطابية ونبرة عالية غير منغمة. والحقيقة أن قصيدة النثر مثلها مثل كل محاولات التجريب في الأجناس الأدبية، والمحاولات الشعرية السابقة، لا تتخلص من عللها إلا عند المبدعين من روادها ومن تبعهم فذلك يتبع الموهبة الخاصة والثقافة الشخصية. ولا يقلل من أهمية ما كتب في قصيدة النثر من نصوص وما أنجز من مهمات على طريق مشروعيتها في تجارب جيل الرواد، وجود بعض الهنات، مثل الحماسة التبشيرية والتطرف في المغايرة والمغامرة والاختلاف، فقد تكون تلك التجارب حملت معها الكثير من أخطاء البدايات.

وقد أشار الناقد حاتم الصكر إلى هذه المسالة و رأى أن أسباب ذلك قد تعود إلى أن ارض الانطلاق لذلك الجيل من الرواد كانت قلقة بفعل الرفض الذي قوبلت به تجربتهم الجديدة مطلع الستينيات وبعدها، وكذلك بسبب اختلاط الأنواع المكتوبة حينها المشوشة على النوع المقترح،ويقصد الشعر المنثور، واختلاط مفهوم الشعر الحر، فضلا عن غياب الأساس النظري النقدي الواضح.

*****

وإن شاء ربنا وقدَّر سيكون لنا لقاء في القريب مع الجزء الثالث والأخير من الدراسة البحثية في (سمات قصيدة النثر)..

فإلى الملتقى

أصداء عربية

قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الأربعاء, 01 فبراير 2017 18:21
  • حجم الخط