مكاشفة سيميائية لقصيدة "صاحبة زهور الغاردينيا " للشاعر حسين حرفوش"

  • د. عقيلة شنيقل
  • الأحد, 25 ديسمبر 2016 11:21
  • نشر في أدب
  • قراءة 2380 مرات

بقلم : دكتورة عقيلة شنيقل

جامعة باجي مختار .عنابة . الجزائر

تمهيد:
الخطاب الأدبي من أبرز مظاهر التواصل بين الثقافتين العربية والغربية، فوجد النقاد العرب في الأبحاث النقدية الغربية الصورة المثلى التي ينبغي الاحتذاء بها بعد دعوات كثيرة دعت إلى ضرورة التمسك بالماضي، فعرفت العلاقة نوعا من الحيوية والمرونة خاصّة في الوقت الراهن لاسيّما قطاع النقد الذي عرف تبعية لمستجداتهم، ومن أبرز صور الاحتكاك تلقي الدرس النقدي العربي لمفاهيم السيميائية، المنهج الذي برز نهاية ستينيات القرن الماضي بريادة العالم الأمريكي "شارل سندرس بيرس"الذي صرحّ قائلا :"إنّه لم يكن بإمكاني أن أدرس أي شيئ ـــ الرياضيات، الأخلاق،الميثافيزيقا ،الجاذبية، الكيمياء،التشريح،المقارن،الفلك،علم النفس،الصوتيات، الاقتصاد،تاريخ العلوم، الهويست(ضرب من لعب الورق) ،الرجال والنساء ــ إلا بوصفه علامة سيميائية"(1)، من هنا سطع نجم المنهج السيميائي خطابًا له خصوصياته وإطاره المفاهيمي الذي يزعم من خلاله أنّه الأنسب لمقاربة النصوص الأدبية، المقاربة التي تبحث في سيرورة بناء العلامات والدلالات التي تشكّل النص الأدبي، فيقوم الباحث السيميائي بتوليد الدلالات وإنتاجها، ما يجعل النص الأدبي نصًا حيوياً زئبقيًا منتعشًا، وهذا ما سنحاول رصده في عملنا هذا الموسوم بـ "مكاشفة سيميائية لقصيدة صاحبة زهور الغاردينيا للشاعر حسين حرفوش".

سنحاول البحث عن الدلالات العميقة للأبنية السردية التي اعتمد عليها الشاعر، ولتوضيح الدراسة أكثر ارتأينا أن نتبع الخطوات التالية:
* تمهيد
* قراءة سيميائية في قصيدة صاحبة زهور الغاردينيا (العنوان، الزمان، المكان، الشخصية، الحدث، المربع السيميائي) .
* خاتمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإطار العام للقصيدة:

عزف الشاعر كلماته على وترٍ رومانسيٍ هاربٍ، لينظم لنا خطابًا شعريًا أخّاذًا يبقي في مخيلتنا صدى الغنائية و سرابيل التلقائية، حرفوش الشاعر الرومانسي أراد من خلال قصيدته أن يبتكر عالمًا جديدًا لعلّه مَعْبر لتجسير أحلام كان يأملها ذات يوم في عالمه الخاص، فذات الشاعر تواقة للابتكار، لأنّه يدرك حتمًا أنّ قوة وجودة النص الأدبي تكمن في قدرة المبدع على جدلية الهدم والبناء، كيف لا وهو الذي قال ذات يوم "سيهدمون وأبني " ليبقى النص ملقي بكلماته على ألسنة أصحاب الموهبة، ينتظر البناء والتشيّيد لأنّه حتما سيملّ من الثباث والركون، لأنّ قمّة "الإبداع هو الاجتهاد في تجاوز المألوف والمعروف إلى غير المألوف والمعروف" (2)، فكثيرة هي محاولاته الأدبية التي رفعت شعار البناء والسعي الحثيث لإكتشاف نصٍ جديدٍ يسير و ميولات النفس المعاصرة بالمضي مع رغباتها المائلة لطبيعة الظروف الصعبة التي يعيشها المواطن العربي، والشاعر هنا ما هو إلا ذات منصهرة ، ذات تعدّ عيّنة نموذجية من هذا الواقع الكبير، إذ أخذ من ظواهره متنفسًا لإبداعاته، فعزم على إبتكار نموذج راقٍ قادرٍ على احتضان التجربة الانسانية، ليزهر حقل الشعر بزهور الغاردينيا ذات يوم، هو ديوان بعنوان"إلى زهرة الغاردينيا " (3) تندرج ضمنه جملة من القصائد منها قصيدة صاحبة زهور الغاردينيا، و يالحظها الشفيف !!... تركيب يخاطب جميع الحواس ويطرح جملة من التساؤلات تبقى عالقة بذهن من يقرأ العنوان.

شعرية العنوان:

العنوان عتبة مختزلة لغويًا تعجّ بمدلولات عديدة، فهي البوابة التي يتمّ من خلالها الولوج لعالم النص، فيساعد القارئ على إعطاء فكرة عن النص الذي يحمله ويميزه عن بقية النصوص، فصار"يحتل موقعا استراتيجيا خاصا، ويشرف منه على النص، يحرص ويضمن وحدته ،وعدم تفكّكه وذوبانه في نصوص أخرى،أو كالراية التي تعلو إحدى المؤسسات الرسمية وهو أول عبارة مطبوعة وبارزة من الكتاب "(4)، ونتيجة لهذا الدور المتعاظم الذي يضيفه للنص عززت الدراسات النقدية من وجوده بعد التهميش الذي عانى منه قديما، وهنا نلتمس القيمة التي حُملّت للعنوان هذا الدال الذي تدين له بعض الأعمال في شهرتها وشهرة أصحابها ومن الأمثلة هنا الشاعر المصري حسين حرفوش عن قصيدته " صاحبة زهور الغاردينيا ".

"صاحبة زهور الغاردينيا "مركّب اسنادي، يتكون من ثلاث كلمات متلازمة نسبيًا،صاحبة نسبةٌ لشيئ معين، وزهور الغاردينيا شيئ مادي يندرج ضمن حقل الطبيعة.

"صاحب" : اسم فاعل معرف بالإضافة، جاء في معجم المعاني الجامع تحت مادة {ص ح ب } :"صاحب ومادتها ص ح ب من الصحبة وصَحَابة، وصحبة: رافقه...(الصاحب): المرافق ومالك الشيئ والقائم على الشيئ "(5)، تحيل هذه الكلمة في القصيدة على امرأة كونها مالكة الزهور، فحملت المدلول المعجمي للكلمة .

زهور الغاردينيا: "من النباتات الساحرة تسحرك في الحال برائحتها الزكية وأوراقها الخضراء الداكنة...وأيضًا الغاردينيا مشهورة بصعوبة تربيتها، تصعب حتى على مربي النباتات المحترفين"(6)، يدل التركيب على جملة من التصورات منها :أنّها امرأة لطيفة ،طيبة ،جميلة،...وسمناها بدلالات إيجابية استنادا لفصيلة الزهور التي تحملها زهور الغاردينيا ورائحتها الطيبة، وهي مؤشرات تساعد القارئ وتعطيه فكرة عامة عن مضمون القصيدة فصار العنوان مرآة مصغرة للنص، ليمارس تأثيره الإغرائي على القارئ ويبسط ذاته مستلقيا على مخيلته، من صاحبة زهور الغاردينيا ؟ وماذا تمثل بالنسبة لذات المتكلم في القصيدة؟

انطلاقا من جدلية جمالها وطيبة رائحتها من جهة وصعوبة الاعتناء والحصول عليها من جهة أخرى بنى الشاعر مشهده، باعتبار أنّ صاحبة زهور الغاردينيا ما هي إلا حلم وذكرى متخيلة صعب الوصول إليها في ظل الواقع الذي نحن فيه، ومن هنا نلاحظ أنّ العنوان لم يوضع اعتباطيًا هامشيًا، بل جاء متماشيًا مع أحداث المشهد، فاستنجد الشاعر بزهرة الغاردينيا لتصوير فكرةــــــ الحقيقة/ الحلم، الواقع /الخيال،الأمنية التي لا تكون في متناول الجميع، ومن خلال إسقاط هذه الدلالات نجد أنّ العنوان في خدمة النص ، إنّما أراد الشاعر من خلاله تمرير فكرة الطبقية من خلال جدلية القدر المحتوم والأحلام الغابرة.

سيميائية الزمن:

من الأبنية التي يراهن عليها المبدع في عمله سيميائية الزمن، فهو فيصل حاسم في إخراج النص من طابعه الواقعي والارتقاء به نحو عالم خيالي، عالم جمالي مطعم برموز تجعله يتسم بصفة الأدبية، و من خلال المفارقات التي يقيمها في قصيدته يكسر الترتيب العادي ويخرق كرونولوجيته، وهذا ما يصّعب من دور القارئ في فكّ طلاسم النص وإعادة بنائه وتفعيله من جديد .

مزج الشاعر في قصيدته بين ألفاظ الفرح والحزن/السعادة والكآبة /الحيرة والأمل /الواقع والحلم ،فنشعر بثقل شديد في إيقاع التنقل من حدث لآخر /أو من حالة لأخرى في البداية، بعدها نشعر بنوع من السرعة في الايقاع عندما مرّت صاحبة الزهور ليعود الإيقاع إلى الريثم البطيئ في النهاية، فتميز البناء الدرامي للأحداث بقفزات رشيقة، كون الشاعر لم يستقر على وصف حاله نفسية واحدة .

الزمن الخارجي: ويشمل جملة الظروف الخارجية المحيطة بالشاعر:

زمن الشاعر: نظم الشاعر حرفوش ديوانه "إلى زهرة الغاردينيا" سنة 2013، عندما رأى ضرورة بل لزوم النهوض بالواقع والتقدّم به نحو الأفضل، وفي رأيه أنّ المحبة هي السبيل والمنهج الذي بفضله يعمّ الفرح والأمل.

زمن القارئ: قارئ اليوم(2016) ليس هو قارئ الغد ولا قارئ الأمس،كون القارئ أثناء تعامله مع النص ينطلق حتما من جملة ظروف يعايشها ، و من واقعه الحالي ،ليسقط على النص من تجربته.

الزمن التاريخي: الإطار الزمني العام، ويتجسد في علاقة المتخيل بالواقع، فأكّيد أنّ الشاعر حرفوش قد استفاد من تجربته ومن ظروف بيئته وجعل منها متنفسا لنسج نصه، فعامل غربته وافتقاده لمعاني الحب بعيدا عن أهله وحنينه للوطن الأم... كلّها عوامل أسهمت في إخراج هذا الديوان.

الزمن الداخلي: ويتجسّد في الطريقة التي تمّ من خلالها تقديم الأحداث وأسلوب العرض ، وكلمات المشهد،فيلمس القارئ سيرورة الزمن إما ضمنيا أو بووجود قرائن دالة .

الخلاصة: يقول الشاعر :"عند صباح اليوم التالي"(7) ، فهنا لم يذكر ما حدث بالتفصّيل خلال ليلته الماضية، وبذلك يكون زمن الخطاب أقل من زمن القصة بكثير، وهنا تكمن اللّذة الجمالية التي تحدث عنها مالارميه، فلم يتم الكشف المباشر لمَ جرى له ليلة خيبة أمله، وأكّيد عانى من ليل طويل مرّ به، وهنا نلتمس نوعا من السرعة في طرح الأحداث كون الشاعر أشفق على نفسه وعلى القارئ وراح ينتقل مباشرة إلى اليوم التالي.

المشهد: وتجلى في الحوار الموجود في المقطع الأخير من القصيدة "مرّتْ صاحبةُ الغاردينيا .. سألتْ عن رجلٍ كانَ يغني.. أشارَ الصّبيةُ لجدارٍ كُتِبَ عليهِ.. حروفٌ.. أجزاءٌ من آياتْ .. قالوا: عاشَ هُنَا رَجُلٌ زَمَنًا يَنْظِمُ لامرأةٍ لم نرها أبدًاــ كلّ صباحٍ عقدًا من أحلَىَ الكلماتْ ويعطرُهُ ببخورِ الصّندَلِ و يُزَيّنُهُ بالرّيْحانْ.. ويقول أيَا فِتْيَانْ.. إنْ يومًا ما سألتْ عنّي إحدى الحُلْواتْ دلوها على قبري ..قولوا.. لايحتاجُ الثّاوِي بهذا القبر.."(8).

وهنا نشعر بتوقف خيط الزمن، فالشاعر راح يسرد لنا حواره مع الصبية وصاحبة الغاردينيا، ففي الحوار غالبا مايتطابق زمن السرد بزمن الحدث، حتى أنّنا لم نشعر بتطور للأحداث كونه راح يعيد حديثة ووصيته مع الفتية، ليسير في الأخير المشهد نحو نهايته مع موضوع الموت، والموت هنا ليس موت بشري، بقدر ماهو موت معنوي موت لأحلام وأمنيات للأسف لم تحقق .

جماليات المكان:

المكان من المشكّلات الأساسية التي تكتمل بها وحدة النص الشعري، ففي المكان تبنى الأحداث وبه ندرك ملامح الشخصية النفسية والجسدية، والمكان في العمل الأدبي يكتسب دلالته انطلاقا من السياق، بمعنى أنّنا نستشف سيميائية المكان من انطباع الشخصيات وسيرورة الزمن وانعكاسه على الشخصية، فلم يعد المكان مجرد حيّز يحتضن الأحداث بل أضحى معينًا لتطوير الحدث والكشف عن الحالة النفسية للشخصية، وفي هذا الصدد يقول أحدهم: "إنّ المكان هو هوية العمل الأدبي فإذا ضاعت منه المكانية ضاعت خصوصيته وبالتالي أصالته " (9)
وهنا يمكننا أن نميّز نمطين من الأمكنة، أمكنة مفتوحة وأخرى مغلقة، ينتقي الشاعر المكان المناسب بحسب موضوع قصيدته، وللأمكنة التي وظفها الشاعر حسين حرفوش دلالات نستنبطها من مغزى النص المغروسةِ بجيناتِه ذاتُ الشاعر الحائرة اللّحوحة الطموحة لبناء مجتمع يسوده الحب.

زاوية جدار الشوق:

هو المكان الرئيسي الذي وقعت فيه أحداث المشهد، ".. وتَكَوّرَ فِي زَاوِيَةٍ خَلْفَ جِدَارِ الشّوقِ المَكْسُورِ" (10)، مكان متخيل مغلق،لجأ إليه الشاعر بعد انطفاء أحلامه وأفول أمنياته وانكسار ثقته، يوحي بالانعزال، الضعف، الحزن،الألم ، الانغلاق، الوحدة، أبدع الشاعر في نقل حالته، فجعل القارئ يحسّ بمرارة الوضع عندما يقابل من أحبّ بشفقة ومواساة، هو الباحث عن الحب لحياة أفضل، يجد الحلم يذبل و يتنهي فجأة، حيث تمنع الشخوص من الإحتكاك بالعالم الخارجي، ممّا يصبغ على هذه الشخوص طابع الإنعزال خارج الإطار الزمني الحديث والعيش في أمان من خلال العادات والتقاليد التي تمارسها هذه الشخصيات.

القبر:

يندرج ضمن الأمكنة المغلقة، يوحي بالنهاية المحتومة لأحلام بريئة تأمل في الحب، المفهوم الوحيد القادر على تحقيق السعادة وزرع الأمل، فضاء دفنت فيه أمنيات وأحلام.
نلاحظ غياب للأمكنة المفتوحة وكأنّ القصيدة تكملة لمشهد سابق، مشهد أكثر ليونة وتفاؤل، جسّدته أمكنة منفتحة لتأتي هذه القصيدة كجزء ثانٍ لحالة نفسية مشرقة عاشها الشاعر ذات يوم.

سيمياء الشخصية:

تبوأت الشخصية مكانة مهمة في النص للدور الكبير الذي تؤديه في بناء معمارية النص فلا يمكن تصور عمل شعري أو روائي من دون شخصية، الأمر الذي عزّز من التفات النقاد حولها فتطور معناها واتسع بفضل جهودهم ولعلّ أبرزهم "غريماس الذي رأى أنّ الشخصية تقوم على مستويين:

1 ـــــ عاملي: تتخذّ فيه الشخصية مفهومًا شموليًا مجردا يهتم بالأدوار ولا يهتم بالذوات.
2 ـــــ ممثلي: تتخذ فيه الشخصية صورة فرد يقوم بدور ما في الحكي، فهو شخص فاعل"(11).

وقصيدة الشاعر حرفوش لاتخلو من هذين النمطين، فنعثر داخل نسيجها على شخصيات عاملة وأخرى ممثلة قامت بوظائف لأجل التقدّم بأحداث مشهده،وبما أنّها "تركيب جديد يقوم به القارئ أكثر ممّا هي تركيب يقوم به النص"(12)، سنحاول توليد الدلالات التي بنى عليها الشاعر شخصياته انطلاقا من سياق القصيدة العام.

الشخصيات الممثلة: من أهمها مايلّي

صاحبة زهرة الغاردينيا :

تحيل على امرأة تحمل في طياتها معنى العطاء والجمال والنمو والحب والسرور،كونها حاملة زهور الغاردينيا، النبتة التي تحمل السرور وتزرع الفرح والمودة في قلوب الآخرين برائحتها الطيبة، غير أنّها حملت مدلولات أخرى وصارت الأمنية المستحيلة والحلم البعيد بالنسبة للشاعر، كونها لم تكن الحب الذي يبحث عنه، بل مجرد امرأة تشفق عليه، الأمر الذي زاد من انكساره،كون محبتها تجعل للحياة قيمة أكثر وطعم أطيب، يبقى هذا طموح يجعل الفرد يأمل بحياة أفضل لكنه صعب المنال لصعوبة الواقع المعاش، فصاحبة الغاردينيا في القصيدة جسّدت – ضمنيًا - بعدين متناقضين: بعد إيجابي ويكمن في كونها بؤرة الحلم أو الحلم ذاته المجسّد في المحبة التي لأجلها يعيش المرء وفي الوقت ذاته حملت بعدا سلبيا كونها لم تكن كذلك وراحت تشفق عليه فقط"ظنّ المسكينُ بأنها حينَ تُوَاسِيهِ .. تُقاسِمُهُ اللهْفَـةْ .. مسكينٌ لم يدْركْ هذا الحدّ الفاصلَ بين الحبّ وبين الشّفقة.. "(13)،فبرع الشاعر في تحميل الشخصية دلالتين مختلفتين يمكن أن نعبر عنهما في الثنائيات التالية :الحب /اللاحب، الحب/الشفقة، التفاؤل/التشاؤم، الحلم/الواقع...

ذات المتكلم:

استعمل الشاعر ضمير المتكلم كونه جزء من هذا العالم الذي يرى من مفهوم المحبة الآداة الفعالة لبناء مجتمع أفضل، فالشاعر هنا يحاول بناء حياة أفضل ويأمل بواقع أرقى أساسه الحب الصادق،ل كنه اصطدم من انطفاء وأفول هذا الحلم لقساوة الدهر فقال :"حين انْطَفَأَتْ فِي عينيهِ مَصَابيحُ الأحلامْ.. لِجِدَارِ العُمْرِ الصّاعِدِ نَحْوَ نِهَايَتِهِ المَحْتُومة"(14)هي نهاية الأحلام والآمال التي بناها الشاعر ذات يوم.

الصبية: من الشخصيات التي وظفها الشاعر في قصيدته، استعان بهم الشاعر كونهم المقصود في رسالته، فجاء دورهم كوسيط بينه وبين صاحبة زهور الغاردينيا، ضمنيا الشاعر يعبّر عن حالتهم عن وضعهم وبتر أحلامهم، واختار الصبيان بالذات هم أكثر شرائح المجتمع الذين لهم أحلام وتعيق طريقهم ظروف المجتمع، فالشاعر يتكلم بلسانه وسيطًا هو الآخر لنقل انشغالاتهم والتعبير عن حاجاتهم .

الشخصيات العاملة:

الحب:

هو المحور الأساس الذي يحرك الأحداث و المفتاح الضائع الذي يبحث عنه الشاعر لمستقبل أفضل ولحياة أرقى، هو الحلم وهو الأمنية وهو الكنز الضائع الذي يفتقده الشاعر ويفتش عنه في غيابات رفوف الحياة الصعبة، والذي تبخل به صاحبة زهور الغاردينيا لتبقى ضمنيا الحلم البعيد في نظر الشاعر، فيصبح وسيلة وهدف به فقط يعمّ التفاؤل وتزهر الأحلام وتنتعش الحياة .
الشفقة:
دال يوحي بصعوبة حصول الشاعر على مايريد، هو ما جعل الشاعر يعيش حالة انكسار،كيف لا وهو الذي لم يلق مقابل حبه سوى مواساة وشفقة "مسكينٌ لم يدْركْ هذا الحدّ الفاصلَ بين الحبّ وبين الشّفقة..."(15)، فاكتشف أنّ مواساتها واهتمامها لم يكن سوى شفقة عليه وعندها فقد الأمل، فأسقط حالة نفسية تشاؤمية رد لفعلها، هو الذي انتظر حبها فقابلته بشفقتها.

سيميائية الحدث:

راهن الشاعر حرفوش على مبحث التجريب اللّغوي كورقة رابحة، يهدف من خلالها إلى نظم نموذج شعري رومنسي خالد، كونه انطلق من فكرة واقعية تحمل في طياتها الأحلام المرجوة والواقع الذي نعيشه، بكلمات رقيقة ومعان ٍشفيفة، فهاهو بكلماته المطعمة برموز استطيقية تحمل تحت حروفها دلالات سامية يطمح لبناء خطاب حداثي، تجعل من خطابه نصًا غارقًا في لجج عدية، تتزاحم فيه الوظيفة الإصلاحية التي يأمل من خلالها الشاعر لنشر زهور الغاردينيا القناع الرامز للمحبة، وتوفير تربتها ليعمّ الإزهار وتنتشر الفرحة، وبين الوظيفة الجمالية المجسّدة في أحداث قالبه الشعري، من خلال القصة الخيالية وبطلتها صاحبة زهور الغاردينيا المرأة الخيالية، فصاحبة زهور الغاردينيا تجسّد الأمنية البعيدة والحلم الهارب، فمن له أدنى بصيرة فحتما سيلتمس نكهة اللّيونة والمرونة والزئبقية التي تميز بها قاموسه اللّغوي ويميّز تلقائيا سيرورة الانكماش والانبطاح الذي تحمله جينات كلماته الشعرية، فما بين الكلمة ومفهومها علاقة دياليتيكية تتقلص وتتسّع بحسب المقام، وللقارئ فقط مهمة فكّ شيفراتها، فتغتصب الكلمة من معناها وتشحن بدلالة شعرية معبّرة عن سياق القصيدة العام فلجأ إلى الطبيعة لإيصال فكرته، فهي الحقل الأساسي الذي بنيت عليه فكرة القصيدة بل الديوان ككلّ كون الشاعر في رحلته الشعرية مستغرق في الرومنسية، ومن أهم الأفكار التي تنادي بها هذه المدرسة هي التماهي مع الطبيعة لما لها من مكتنزات تساعد المبدع وتمنحه نوعا من السكون والطمأنينة :"لأنّ الرومانسيين هم الذين عرفوا أسرارها وقيمها ومتعتها،فنشروها في كلّ مكان،طالبين فيها العزاء تارة ،وخلود النفس إلى راحة متناهية تارة أخرى"(16) فيحدث نوع من الذوبان والتفاعل بين ذات الشاعر الحائرة الباحثة عن الهدوء وبين صاحبة زهرة الغاردينيا، فاعتنى بحسن اختيار الألفاظ البسيطة السهلة لضمان حسن التأليف.

زهرة الغاردينيا :

الدلالة المعجمية: زهرة جميلة، تتميز برائحتها الطيبة والزكية.

الدلالة في سياق القصيدة: امرأة متعجرفة، تقابل من يحبها ويأمل في الحصول عليها بشفقة ومواساة، جسّدت معنى الأمنية البعيدة التي يسعى لتحقيقها المرء لضمان واقع أفضل، وهنا عمل الشاعر على تجريدها من معناها المعجمي وشحنها بدلالات المستحيل والبعيد والحلم الجميل المنطفئ.

القرائن (من النص): " ظنّ المسكينُ بأنها حينَ تُوَاسِيهِ .. تُقاسِمُهُ اللهْفَـةْ .. مسكينٌ لم يدْركْ هذا الحدّ الفاصلَ بين الحبّ وبين الشّفقة..."(17) .

الحلم:

الدلالة المعجمية: شيئ معنوي، يحمل معنى الأمل، الانبعاث، التفاؤل وغيرها من الدلالات الإيجابية.

الدلالة في القصيدة: يرمز للحب، فرأينا انطفاء للأحلام، وصارت تمثل الشيئ البعيد المستحيل الوصول إليه.

القرينة الدالة على هذا في النص: "حين انْطَفَأَتْ فِي عينيهِ مَصَابيحُ الأحلامْ.."(18)

المربع السيميائي:

مخطط يجمع جملة التعارضات والتناقضات الموجودة في العمل الأدبي، فيختزل أحداثه ويلخصها في مسودة، وفيما يلّي رصد لنماذج له في قصيدة صاحبة زهور الغاردينيا للشاعر حسين حرفوش:

تدخل :

تقاطبات الحلم/ الحقيقة، الشاعر/صاحبة زهور الغاردينيا، الحب/الشفقة في علاقة جدلية مع الحالة النفسية التي يعيشها الشاعر، فالشاعر يسعى للحصول على حياة مليئة بالحب لضمان حياة رغيدة لكنه مجردحلم وقفت في طريقه حقيقة الشفقة التي تحملها له صاحبة زهور الغاردينيا، يبقى النص يسبح في علاقة دياليتيكية ما بين الأمنية التي يتمناها والحقيقة التي تقف أمامه.

خاتمة:

بعد تجوالنا سيميائيًا في معالم قصيدة "صاحبة زهور الغاردينيا" للشاعر "حسين حرفوش"، لمسنا نجاعة وفعالية هذا المنهج، فنظرنا إلى النص باعتباره علامة تنفتح على دلالات سطحية وأخرى عميقة توحي بنظرة الفرد إزاء الكون، ليبقى للمقاربة السيميائية خصوصيتها المرنة التي تجعل النص حيًا متجددًا قابلاً للقراءة مرات عدّة، وهذا يحسب للمنهج وأصحابه، فسعينا لإنتاج الدلالات التي وظفها الشاعر، وبمّا أنّ الكلّ لا يقال أبدا كما يقول "ميشال فوكو"، سيبقى للقصيدة تأويلات وقراءات تجعل منها نصًا خالدًا، ينتظر من يفعّله ويحيّيه بالدراسة والتحليل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قائمة المصادر والمراجع:

1 ــ أوزوالديكرو، جون ماري شسايف:القاموس الموسوعي الجديد لعلوم اللّسان،ت:منذر عياشي، ط2،المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت،2007، ص194.
2 ــ سيّد أحمدلإمام:حول التجريب في المسرح، قراءة في الوعي الجمالي العربي، الهيئة العامة للكتاب،القاهرة، 1992،ص37.
3ـــ حسين حرفوش: إلى زهرة الغاردينيا، ط2، دار نشر روعة للطباعة والنشر، 2013، ص
4ــ لطاهر رواينية، شعرية الدال في بنية الاستهلال في السرد العربي القديم، السيميائية والنص الأدبي، أعمال ملتقى معهد اللغة العربية وآدابها، جامعة عنابة، ماي 1995، ص141
5 ــ مجمع اللّغة العربية: المعجم الوسيط، ط4، مكتبة الشروق الدولية، 2004، ص 507.
6 ـــ ويكيبيديا المعرفة.
7 ــ حسين حرفوش: إلى زهرة الغاردينيا، ص88.
8 ــ المصدر نفسه، ص ص 88، 89.
9 ــ ابراهيم صالح: الفضاء ولغة السرد فيه، روايات عبد الرحمن ضيف، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط1، 2003،ص13.
10 ـ حسين حرفوش:إلى زهرة غاردينيا، ص86.
11 ـــ حميد لحميداني: بنية النص السردي، من منظور النقد الأدبي، ط1، المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، الدار البيضاء المغرب،1991، ص52.
12ــ المرجع نفسه،ص50.
13 ـ حسين حرفوش: إلى زهرة الغاردينيا، ص87.
14 ــ المصدر نفسه، ص86.
15 ــ المصدر نفسه، ص87.
16 ــ ياسين الأيوبي:مذاهب الأدب،معالم وانعكاسات،الكلاسيكية، الومنطيقية، الواقعية،ط2، دار العلم للملايين، 1984، ص172.
17 ــ حسين حرفوش:إلى زهرة الغاردينيا، ص87.
18 ــ المصدر نفسه، ص86.

قيم الموضوع
(3 أصوات)
  • آخر تعديل على الأحد, 25 ديسمبر 2016 11:42
  • حجم الخط