الهجرة النبوية لم تكن هروبًا ولا استسلامًا

  • أبو بكر عبد السميع
  • الثلاثاء, 04 أكتوبر 2016 13:26
  • نشر في آمنت بالله
  • قراءة 345 مرات

بقلم أبو بكر عبد السميع

الهجرة مناسبة تجيء وتذهب وتحل علينا وترحل وتأتي ثم تمشي ، سنوات طوال نعاصرها براهن اليوم كماعاصرت مناسبتها سابقا أجيال وراء أجيال، وكتبت فيها كتب ودراسات ورسائل ودبجت فيهاخطب ومواعظ والقيت فيها قصائد ووضعت عنها ملاحم وروايات بدراما تمثيلية ، ثم ماذا لاشيء ! ترحم بعضنا وتحسر علي ماطال جماعة المسلمين الأوائل من صنوف العذاب ،عذاب البدن والنفس ومحاولة هزيمة الروح بطمس عقيدة التوحيد المواجهة لعقيدة الكفر والشرك، وبعد اعلان التأسي والتوجع ماذا حدث منا ونحن نستقبل مناسبة حادث الهجرة ؟ لاشيء لم نتعلم ونتأقلم بالهجرة ولم نستفد من منتوج معني عبرها وعظاتها ؛فنغير من أنفسنا خاصة ان الله لايغيرنا الااذا تغيرنا …

من الهجرة وفي الهجرة دروس في علوم السياسة وفي التربية والتعليم والاقتصاد والدبلوماسية وأشياء كثيرة تعد شروطا وضوابط لبناء الكيان .كيان الانسان وكيان الحضارة ،في الهجرة النبوية الشريفة مناهج صالحة في كل زمان ومكان كي تكون بانيةللفكر الإنساني والافق البشري والاعمار في الأرض ،الهجرة كانت و-لاتزال- قوة دفع وشد العزائم واختبار للاختيارات واصطفاء للصفاء المصفي ،الهجرة هي الحياة الدنيا الناجحة وهي الحياة الأخرى الفالحة .

الهجرة النبوية الشريفة لا تعد هربا من بطش ومكر وايذاء ،ولم تكن طلبا الي دعة ورغد من العيش ، فالهجرة حدث الهي قام بعد أن تم تمحيص المؤمنين من الصحابة الذين نجحوا في الاختبار فنصروا الدين وانتصرت بمواقفهم الإنسانية كلها منذ بدء الهجرة والي أن يرث الله الأرض ومن عليها،الهجرة قفزة للامام لا مراوحة في المكان بتموضع الواقع ، الهجرة انتقال ديناميكي بالدين كله، وسفر به لتدشين وشحن الدعوة بدعاة جدد ،وشحذ الهمم بمنطلقات أرحب وأوسع من الناس والبلدان ..

الهجرة محطة فارقة بالنسبة للدين الإسلامي ولحظة مفصلية استبان بنورها ممشى الدين فمشت به الركبان إلى العمران المعنوي والمادي ، الهجرة انطلاقة وانتفاضة وصحوة ويقظة ومشاعل نور سطع ضوؤه فغطى بشاسع المساحات آفاقا مترامية الأطراف وهي كذلك ليل سجى يترقب طلوع فجر الإنسانية الصادق فالهجرة انتقال بالدعوة ذات الرسالة السمحاء المخلصة الإنسان من ظلم أخيه الإنسان ومنقذة العقل من سيطرة الجهل ووأد الفكر ليس في المجتمع المكي فقط بل للدنيا جميعا وللناس كل الناس أجمعين ..

فلولا الهجرة لكانت الرسالة محصورة في مكانها بحجز استطيقيا مكان يتردد في جنباته صدى صوت واحد بكلام معاد أو مكرر ، ففي مكة حدث نزول الوحي بسور ضامة لآيات ضامنة الحديث عن الإلهيات والخلق والإيجاد والعدم والموت ومابعد الممات سور فيها آيات تخاطب الفترة من الذي أوجد الكون ومنه السماء ومن الذي بسط الأرض وجعل الجبال فيها رواسي شامخات ، سور وآيات تتحدث عن الزروع والثمار وعن الإبل والبقر والغنم والحمير ، تتحدث عن المسخر من المخلوقات لخدمة الإنسان سور وآيات تدعو إلى وحدانية الخالق وأنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد لأنه الخالق الغني عن كل شيء وكل الأشياء مفتقرة اليه ..

فهل قصد الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ أن يقف الحديث عند الكون وخالقه وتوحيده ؟ لا بل بجانب التوحيد لابد من التشريع للمعاملات بين الناس كي تنتظم العبادات والمعاملات في نظام واتحاد ، ومجتمع مكة كان فيه الشرك بوثنية الأصنام وعبادة الشمس والقمر و ـ طوطم ـ محشور في اختراع عبادات ، مجتمع مصغر ، لكن الدعوة الإسلامية جاءت للعالم المكبر ـ للعالمين ـ عمومية الدعوة لا حصرها في مكة ، والذي يصلح لذلك الانتقال الدعوي هو مجتمع ـ يثرب ـ أو المدينة فيما بعد لماذ ؟

لأن بها أهل كتاب يهود ونصاري وصابئة ولا دينيين وفيها تجارة وزراعة بل وصناعة متقدمة بنت زمانها وهي تتميزبجغرافية تؤكد خريطة الوصول إليها أنها مجتمع مفتوح يستقبل ويتلقي وجاذب للزيارة والإقامة أي أن ـ يثرب ـ كانت كونا مصغرا للحياة الكبرى والدعوة الإسلامية وهي في مهدها كان لاينفع فيها سوي أرض مكة ، وبها الكعبة وبالدليل العملي يبين الله لهم الانحراف العقائدي الذي حدث بعبادة الأصنام الصم العمي البكم الجماد ..

نتج ذلك عن انحراف بالدعوة التوحيدية انحراف جري بطريقة تراكمية كما تلاعبت فيه عمليات دجل وخزعبلات وشعوذة مارسها الكهان طلبا للمال وجريا وراء مال مالوا اليه طمعا وغطرسة وسيطرة ، حيث مارس الكهان عملهم عن طريق الإلهاء العقلي بالسيطرة عليه لمنع التفكير في صحيح الدين الذي وصل إليهم عن طريق إبراهيم وإسماعيل وببعض الحق الذي احتفظ به نفر من أهل الكتاب عن النبي المنتظر المسمي ـ أحمد ومحمد ـ ، مكة تنتظر وتكاد تنتفض ـ عقائديا ـ لأنها تعيش انحرافا في العقيدة وصفه استاذنا ـ عباس محمود العقاد ـ بقوله : ”كان عالما متداعيا ـ قد شارف النهاية ـ خلاصة مايقال فيه أنه فقد النظام كما فقد العقيدة ) .. ثم إن مكة وهي في انتظار المنى والتمني والرجاء والترجي إذا بها تفاجأ بظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعثة على موعد ونبي وجب ظهوره فجاء علي قدروحكمة مبعثه في مكة .

يخطئ كثير من الكتاب والمؤرخين وخطباء المساجد ؛ حينما يتناولون الهجرة ثم يكتبون أو يتحدثون ..(عاش المسلمون في ضعف واستسلام ورضا بالواقع) .. ، وهذا الزعم تواتر لدرجة أن أصبح من المسلمات ويمكن الرد عليه بواقع عاشه الصحابة فمنهم ـ أي الصحابة السابقون بالايمان ـ من تململ من هذا الوضع وسعي إلى تغييره بمواجهة المشركين ومنهم من تحايل كنوع من ـ المقاومة ـ فكان مقاوما للإيذاء بقوة وذكاء تخلص من صعب المواقف ..

وقد كان بينهم من واجه مباشرة باليد واللسان ، ونسوق عدة أدلة علي قوة المسلمين الأوائل في المجتمع المكي قبل الهجرة رغم فرض القهر والقسوة والعنف وإنزال العذاب بهم .. لقد صبر المسلمون على الأذى ليس ضعفا أو جبنا أو خورا ، إنما كان كل همهم هو الحفاظ على الدعوة الإسلامية وهي في المهد وتوصيلها بالمستطاع لأكبر عدد من الناس ، فقرروا أن يكونوا هم القدوة لذويهم ودالة على الصبر والتضحية والفداء بل ثباتهم على المبدأ هو القوة المحكمة والقوة القاهرة والدائرة المغلقة ضد البطش والعدوان وهم في ثباتهم على المبدأ يحفزهم النبي ويعضد موقفهم حيث يقول لهم الرسول صلى الله عليه وسلم حين وجه خطابه للصحابي الجليل ـ خباب بن الأرت ـ : ” لقد كان من قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من ولحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه وليُتِمَّنَّ الله هذا الأمرحتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله ” ..

يسمع الصحابة هذا الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم فترتفع روحهم المعنوية إلى عنان السماء ويهون كل صعب ويصغر كل كبير بالإيذاء ، وعندما فرض مشركو مكة الحصار الاقتصادي على النبي وصحبه وعلي بني هاشم وبني المطلب ، حصار ظالم استمر لثلاث سنوات ، مما دفعهم لأكل الخبط وورق الشجر ، ورغم ذلك كان الثبات على المبدأ هو الطعام والشراب للمسلمين وهو الوقود لطبخ همزات الشياطين وهو الصبر الجميل ، ومع ذلك تجلت أنواع المقاومة في حالات كثيرة من ذلك مثلا موقف ـ حمزة بن عبد المطلب ـ عم النبي الذي تحدى وضرب رأس أبي جهل ، وموقف عمربن الخطاب الذي قال : يارسول الله ألسنا على الحق ؟ فيجيبه الرسول : بلي .. فيقول عمر لماذا لانعلن عن ديننا فيأذ ن الرسول فيخرج المسلمون صفين صف بقيادة عمر بن الخطاب وصف بقيادة حمزة بن عبد المطلب ويهتفون .. الله اكبر ، ويتجولون في سكك مكة ودروبها وهم علي هذا النحو ..

أيضا عبد الله بن مسعود يستغل موسم الحج فيخرج بين المشركين ويتلو ما تيسر من القرآن وهاهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه يتحدى المشركين في مواقف كثيرة .. كل هذا وغيره ينفي عن المسلمين الأولين فرية الضعف والخور والجبن .

الهجرة النبوية الشريفة هي القوة التي تواترت عنها قوى وانطلقت منها حوادث عظام كبر ، ونتجت عنها إيجابيات خدمت الدعوة الإسلامية ؛ فبعد الهجرة بقليل قويت شكيمة المسلمين واشتد ساعدهم وتمرسوا على الصبر في مكة أولا ثم في مجتمع المدينة أو ـ يثرب ـ فكانت الهجرة الأسس المتينة القوية التي بنيت عليها أبنية ارتفاع إسلامية ، ثابتة الأركان وعظيمة البنيان ، فكان النصر في غزوة بدر وما أعقبها من غزوات وسرايا ثم فتوحات إسلامية جابت الدنيا شرقا وغربا وشمالاوجنوبا .. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقد بشرهم بذلك الفتح والامتداد في جغرافية الدنيا قبل حدوثه بعشرات السنين خاصة وهم يقاومون أذى مشركي مكة ” وسينصرن الله هذا الدين حتي يسير الرجل من صنعاء إلى حضرموت لايخشى الا الله ”.

فما كان من مرحلة الدعوة قبل الهجرة النبوية يصح أن نطلق عليها مرحلة التعليم الأولي الإلزامي ، تعليم على الصبر والثبات وعلى كيفية إدارة الأزمات ؛ خاصة في ظل الصراع المحموم المحتدم بصنوف من العذاب ومجابهة النفس ومواجهتها للصراع النفسي من الداخل والخارج ، فقد علمهم مجتمع ماقبل الهجرة ورباهم على قيم التضحية والفداء والعزم والصبر والحزم والحسم والإيثار فمدرسة ما قبل الهجرة جعلتهم ـ أي الصحابة ـ يدخلون جامعة الدنيا بتنسيق مرتفع المجموع فقد نجحوا وكانوا من الأوائل وحصلوا علي ليسانس وبكالوريوس وماجستير ودكتوراة في كل التخصصات بامتياز فكانوا قادة وأهل ريادة وأصحاب بصائر وهداة بالنموذج الحي والمثال الحاضر دوما على مدى التاريخ وهم كذلك ولايزالون .

الهجرة علينا أن نتعلم منها مقاومة ـ الحصار ـ الذي يفرضه الآخر سرا وعلانية ، حيث يبخلون بالسلع كالقمح مثلا ويصدرونه لدول العالم العربي الإسلامي بالقطارة أو بالضغط أو مصلحة بمصلحة ويمنعون الأدوية كي يصاب الكبار بالأمراض ويصاب الصغار بالهزال والضعف أو يصدرون أدوية تضر ولا تنفع ..

اما الحصار العلني مثل مافعلوه بالعراق وليبيا والصومال ويفعلونه حاليا في سوريا واليمن والسودان حصار ظالم تحول إلى سلاح مدمر تفنن الغرب وأمريكا بتقنينه عبر مؤسسات وهمية مثل الأمم المتحدة وما ينبثق كمجلس الأمن ولجان حقوق الإنسان حول الحصار الاقتصادي الذي مارسه مشركو مكة على النبي وصحبه قبل الهجرة إلى حصار يمثله دعاة الوثنية الرأسمالية المتوحشة وفلاسفة عقيدة العولمة الطاغية ، لذا وجبت المقاومة بهجرة داخلية فلا هجرة ـ كما قال الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ـ : ( لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية ) ..

وعلى الأمة العربية والإسلامية أن تقيم هجرة ذاتية داخلية تقاوم غطرسة أعداء الإسلام وكارهي شأنه عن طريق تعظيم الزراعة في الأرض كثبات وتصنيع السلاح كنقاط ارتكاز والتوحد والوحدة العربية كإيثار جمعي يقوي ويبني ، هجرة تتخذ من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم سببا ووسيلة وغاية ، سبب للقوة ووسيلة للتقوي وغاية للبناء على أسس سليمة ..

تستطيع الأمة العربية والإسلامية أن تقيم قلاعا صناعية بكل وسائل الحداثة ويمكن لدول العروبة والإسلام أن تهاجر فتهجر كل السلبيات المؤدية إلى الضعف والهوان .. نعم تستطيع خاصة ان لدي الامة كل المقومات والإمكانات ، لكنها هبات وعطايا للأسف مضيعة ومعطلة وعالقة أو تراوح مكانها لدي بنوك الغرب داعمة لاقتصاده ومعدلة بالتحسين في أسلحته التي يسنها لقطع وتمزيق ـ تورتة ـ العالم العربي الإسلامي!

وبمناسبة الهجرة أو في ذكرى مناسبة الهجرة النبوية الشريفة علينا ـ كعرب ومسلمين ـ أن نهاجر للأمام فنقاوم الضعف ونسقطه ، ونحارب هواننا على أنفسنا والناس ونهزمه ، ولنصبر على التحديات ونحولها إلى سلاح به ننتصر به في كل الميادين وفي جل المعارك وفي مجموع الحروب التي تشن علينا ..

قيم الموضوع
(0 أصوات)