أول شيئ بناه الله !!

  • العبد لله
  • الأربعاء, 11 فبراير 2015 16:50
  • نشر في آمنت بالله
  • قراءة 11383 مرات

"قال لي شيخي"

بقلم العبد لله

قال لي شيخي وأنا جالس بين يديه كعادتي لأتلقى منه شيئا مما أفاء الله به عليه : أتدري ما أول شيئ بناه الله ؟

قلت : لعل فضيلتكم تقصد ما أول شيئ خلقه الله ؟

فأعاد الشيخ سؤاله وهو يضغط على كلمة "بناه الله" ..

وقد علمني أبي أن أحفظ لساني عند مجالسة العلماء ، حتى إذا سئلت عن مسألة فقهية أجبت : "الله أعلم ورسوله"
ولكني ولأول مرة استجمع شجاعتي استنادا لما أعي من كتاب الله ، فقلت : لعلها السماء يامولانا ..

قال : وما دليلك ؟

قلت : قول الله عز وجل ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ ..

تبسم الشيخ ، وقال : فتح الله عليك .. ستكون قريبا بإذن الله من العلماء ..

طأطأت راسي خجلا ، بينما استطرد شيخي قائلا : نعم السماء بناها الله .. فهل لك من علم بمعنى "بأيدٍ"؟

هنا عدت لطبعي وما رُبّيتُ عليه ؛ فقلت : الله أعلم ورسوله ..

قال الشيخ : فاعلم أي بنيَّ أن كلمة بأيدٍ أي بقوة وإحكام ؛ فصاحب لسان العرب ـ ابن منظورـ يقول : "الأيدُ والآدُ جميعا القوة ، وقوله عز وجل ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ أي ذا القوة " ..

واستمر الشيخ في حديثه : وأما قوله تعالى ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ فقد فهم منه المفسرون أكثر من معنى ، وكلها معانٍ محتملة ؛ فقال ابن الجوزي : وفي قوله ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ خمسة أقوال : أحدها : لموسعون الرزق بالمطر قاله الحسن ، والثاني : لموسعون السماء ؛ فهي في اتساع مستمر دون توقف ، قاله ابن زيد .. والثالث : لقادرون ، قاله ابن قتيبة ، والرابع : لموسعون مابين السماء والأرض ، قاله الزجاج ، والخامس : لذو سعة لا يضيق عما يريد ، حكاه الماوردي ..

لذا ـ والكلام لايزال لشيخي الجليل ـ فإن العلماء المسلمين قديمهم ومحدثهم فهموا من هذه الآية الكريمة أن الكون في توسع مستمر دائم ، وهذا ما توصل إليه العلم التجريبي اليوم ..

فعندما بدأ العلماء باكتشاف الكون أطلقوا عليه كلمة space أي (فضاء) ، وذلك لظنهم بأن الكون مليء بالفراغ ، ولكن بعدما تطورت معرفتهم بالكون واستطاعوا رؤية بنيته بدقة مذهلة ، ورأوا نسيجاً كونياً cosmic web محكماً ومترابطاً ، بدءوا بإطلاق مصطلح جديد هو (بناء) أي building ..

فوجدوا أن السماء بناء محكم التشييد ، دقيق التماسك والترابط ، وليست فراغاً كما كان يعتقد إلى عهد قريب ، وقد ثبت علمياً أن المسافات بين أجرام السماء مليئة بغلالة رقيقة جداً من الغازات التي يغلب عليها غاز الأيدروجين ، وينتشر في هذه الغلالة الغازية بعض الجسيمات المتناهية في الصغر من المواد الصلبة ، على هيئة غبار دقيق الحبيبات ، يغلب على تركيبه ذرات من الكالسيوم، والصوديوم ، والبوتاسيوم ، والتيتانيوم ، والحديد ، بالإضافة إلى جزيئات من بخار الماء ، والأمونيا ، والفورمالدهايد ، وغيرها من المركبات الكيميائية .. 

وبالإضافة إلى المادة التي تملأ المسافات بين النجوم ، فإن المجالات المغناطيسية تنتشر بين كل أجرام السماء لتربط بينها في بناء محكم التشييد ، متماسك الأطراف ، وهذه حقيقة لم يدركها العلماء إلا في القرن العشرين ، بل في العقود المتأخرة منه .. فسبحان رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم ..

نظر الشيخ إلى الساعة المعلقة على الحائط ثم قال لي : حان موعد أذان العشاء .. قم فارفع الأذان فإني أحب أن أسمعه منك ..

قبلت يد شيخي ممتنا وقمت إلى المحراب مطأطئا رأسي شكرا لربي على نعمه وعطاياه ..

وإلى لقاء آخر أرجو أن يكون قريبا مع حلقة جديدة من "قال لي شيخي" ..

العبد لله

قيم الموضوع
(1 تصويت)
  • آخر تعديل على الإثنين, 16 مايو 2016 12:40
  • حجم الخط